.
.
.
.

الشباب.. التحدي المتنامي في الخليج!

عائشة سلطان

نشر في: آخر تحديث:

تواجه دول الخليج تحديات مختلفة، بعضها تأسس كنتاج لسنوات التنمية والنمو منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، وهي تحديات معلومة بالضرورة ومعروفة، لكثرة ما أشبعت بحثا وتداولا، ولعل اختلال الميزان الديموغرافي (السكاني) أحد أبرز تلك التحديات، التي يبدو أن الوقت قد فات نهائيا على إمكانية حلها، مما جعلها تفرز أزمات هي الأخرى، كالبطالة الحقيقية والبطالة المقنّعة، إضافة لالتباسات الهوية في محيط الأجيال الجديدة، وتناقضات ثقافة المحافظة، والتحرر، أو الأصالة والمعاصرة، والإشكاليات الثقافية الأخرى لدى الشباب الخليجي الذي يجد نفسه أحيانا خارج سياق أحداث الوطن العربي في سنوات تبدلاته الأخيرة.
لقد أثبتت دراسة حديثة قامت بها شركة «أصداء - بارسون مارستلر»، وشملت 15 دولة عربية، أن 74 في المائة من الشباب العربي (ومن بينهم الشباب الخليجي حتما) الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، يتطلعون إلى المستقبل بشكل إيجابي، خاصة أنهم يؤمنون بأنهم هم لا غيرهم من صنع التغير الذي يشهده الوطن العربي، بعدما عُرف بـ«ربيع الثورات» أو «ربيع العرب»، كما أدليت بآراء مختلفة على منصة منتدى الإعلام العربي بدبي منذ عدة أيام، حول سقوط ما يعرف بالنظام الإعلامي الرسمي الذي كان سائدا سنوات حكم الأنظمة السابقة، وبزوغ عصر جديد يعرف بالنظام الإعلامي العربي الجديد القائم على الشفافية، وتحطيم التابوهات القديمة ومنظومة الفساد والتملق.
أين يقع الشباب الخليجي من هذه التحولات الكبرى التي تحدث في الجوار، أو قاب قوسين من فناء خليجهم المتاخم لأنظمة إقليمية متورطة فيما يحصل ومنغمسة تماما في لعبة الأمم والتبدلات الكبرى (إيران - سوريا - العراق - باكستان..)؟ لقد أسهم أسلافهم أيام شبابهم في خلط أوراق اللعبة وخلط مستقبل المنطقة لاحقا، يوم كان الجيش الروسي يقاتل في أفغانستان سنوات الثمانينات، فزجوا بأنفسهم في عمق معادلة، اتضح فيما بعد أنها أكبر من الجميع، وإن كانت السذاجة التي تمتعوا بها في تلك الأيام قد زينت لهم أوهام الجهاد والشهادة وروائح الجنة والحور العين، بينما اللعبة أكبر وأخطر من ذلك!!
اليوم، يبدو واضحا أن المياه التي جرت تحت جسور الأنظمة الخليجية قد غسلت كثيرا من أوهام الشباب، وخطايا الأنظمة التي لا تريد التورط حتما فيما يحصل هنا وهناك، حتى وإن بدا أن هناك تطورات من تحت الغطاء لدى البعض، لكن المؤكد أنها لا تريد الزج بشبابها إلى حيث لا ناقة لهم ولها هناك ولا جمل، فدرس أفغانستان لا يزال حاضرا وارتداداته ماثلة بوضوح.
كان لا بد من توفير خيارات وبدائل توازي تلك الأحداث الكبرى في المنطقة، يشتغل بها وعليها هذا الشباب الخليجي الذي يجد نفسه متفرجا على أحداث مفصلية دون أن يشارك في صياغتها أو إبداء الرأي فيها أحيانا، في حين ينغمس أقرانه من الشباب في صياغة واقعهم السياسي والثقافي والإعلامي حد المعاناة والبؤس؛ فهل يشكل موقف الحياد الذي يبدو عليه الشباب الخليجي اليوم (بدرجات متفاوتة من قطر لآخر) حالة طمأنة للنظم السياسية؟ هل يمكن اعتبار هذا الحياد أو الصمت موقفا ذاتيا وموضوعيا أم أنه مفروض على هؤلاء الشباب بسبب انعدام الفضاء العام الموضوعي، الذي يمكن التعبير فيها دون أن تُحمَل تلك الآراء على محامل مختلفة؟ هل شكلت الرفاهية كنموذج عيش وتعليم وعلاقات واستهلاك سببا لهذا التباعد وعدم الاهتمام؟
إن الذين يشيرون إلى مواقع التواصل الاجتماعي («تويتر» و«فيس بوك» تحديدا) على اعتبارها مرادفا متاحا للفضاء العام يمكن للجميع التعبير من خلاله عن أفكارهم وتوجهاتهم ومواقفهم، ينسون أن هذه المواقع، على الرغم من جاذبيتها واستحواذها على معظم الشباب، فإنها لم تستطع حتى الآن أن تشكل فضاء عاما رصينا وجادا لتبادل الآراء، في ظل حالة التجاذبات والتشرذم وتيارات التخوين والتكفير التي سيطرت على هذا الفضاء بشكل قضت معه على اعتبارات المهنية والحرفية بشكل أساسي، وعلى منظومة الحقوق الأساسية كحق التعبير وحرية الرأي، وحق الرد، والتزام آداب الحوار وقواعد الاختلاف وغيرها، مما يعني أن على الإعلام الرسمي والخاص أن يجتهد في إيجاد قنوات أكثر للشباب لاستيعاب آرائهم بكل اختلافاتها وتبايناتها. فهذه ظاهرة صحية جدا ومطلوبة خليجيا على وجه التحديد!
إن هذا الشباب المتفائل في البلاد العربية، الذي أوضحت الدراسة أن نسبته تصل إلى 74 في المائة، يحتاج إلى قنوات استيعاب مختلفة، خاصة أنه ينتمي لجيل مختلف ولثقافة معولمة، حتى وإن استمر في لبس ثياب أجداده التقليدية، فهو يعلم تماما أن ما تحت الثياب هو الأكثر أهمية، وأن الهوية ليست زيا وأكلات شعبية، بقدر ما أن الهوية هي الإنسان الذي يتوجب عليه أن يبقى وأن يمارس حقه في الحياة، وليس في التفرج عليها كعابر نوافذ زجاجية في مركز تجاري لامع.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.