.
.
.
.

.. ويستمر مسلسل موت المعلمات!

علي الخبتي

نشر في: آخر تحديث:

كتبت منذ سنة ونصف تقريبا مقالا عن نفس الموضوع، وتحديدا في 2-12-2011 ليوثق بذلك العجز الواضح والإصرار أن يستمر هذا المسلسل الذي أبكى العيون وأدمى القلوب على فقدان عدد كبير من زهور الوطن، آخرها كانت مأساة بيشة الأسبوع الماضي، الذي ماتت فيه معلمة كان موعد زواجها في 4-8-1434، وأخرى كانت أما لخمسة أطفال. ماتت هاتان المعلمتان وهما عائدتان من مدرستهما التي تذهبان إليها قبل الفجر وتصليان الفجر في الصحراء ـ تصوروا ـ وتعودان بعد صلاة المغرب. وذنبهما أنهما حريصتان على الوظيفة ليعيشا بها حياة كريمة.

وكان الرد على موتهما أنهما تستقلان مركبة غير مؤهلة، أو لماذا لا تسكنان في القرية التي تعملان بها؟! مسلسل الموت مستمر منذ سنوات ونحن أهالي المفقودات وكل الوطن يتساءل من المسؤول؟ وأين هو؟ وأهالي المفقودات يحسبن تلك الأنفس في ذمته.. الموت حق.. ونحن من يؤمن بالقضاء والقدر.. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "اعقلها وتوكل".. وكنا نظن أن مسلسل موت المعلمات والطالبات بعد حادثتين أو ثلاث قد انتهى.. وكنا نظن أيضا أنه بعد تكراره أن تقوم الدنيا ولا تقعد حتى تكون هناك دراسات واجتماعات وبرامج ومشروعات لوقف المسلسل الدموي لهؤلاء اللائي تجبرهن ظروفهن على قبول وظيفة ليس لديهن في الحياة إلا الذهاب إليها والعودة منها والعمل فيها، ثم النوم وإعادة هذا الروتين في اليوم الثاني دون توافر أي وقت إضافي للمتعة أو مع الأقارب أو أي عمل آخر كالناس العاديين، لكن هذا المسلسل لم ينته.


ليت الأمر يقتصر على ذلك. إنهن في خطر.. خطر الطريق الذي يذهبن فيه ويعدن منه لساعات طويلة.. إن مسلسل موت المعلمات والطالبات مستمر منذ سنوات وقد أضيف إلى مسلسل الطريق ما وقع في مدرسة البراعم في جدة. وظروف مدرسة البراعم متكررة في مدارس متعددة في طول البلاد وعرضها.


مسؤولية كبيرة على المجتمع وعلى الدولة وعلى المسؤولين المباشرين. قد تكون الحلول صعبة، لكنها ليست مستحيلة. يتكرر مشهد الموت فنثور ونغضب ونحقق، ثم ما نلبث أن نستكين.. وتتكرر المأساة.. إن كانت هناك حلول بعد التحقيقات التي تمت في الماضي وبعد تتبع القضايا السابقة فمن المسؤول عن عدم تنفيذها؟ وإن لم تكن هناك حلول ولا توصيات فلا نقول إلا "لا حول ولا قوة إلا بالله".. البلاد تتألم يا قوم.. من شمالها إلى وسطها إلى جنوبها.. بدأت ببراعم الوطن في جدة.. بعدها يموت 12 طالبة في حائل.. وبعدها ثلاث طالبات في طريق الدرب ـ صبيا بجازان يمتن سعيا وراء مستقبلهن.


أليست هذه مأساة يجب أن يستمر الحديث عنها حتى نعرف حلها ونحاسب المسؤول عنها. بعد كل هذا الوقت وبعد هذه الكوارث إذا لم نستيقظ الآن فمتى نستيقظ.. بعد كل هذه الكوارث إذا لم نحاسب فمتى نحاسب؟ وبتتبع الحالات التي حدثت في بلادنا خلال أسبوع واحد في المناطق الثلاث

نجدها تنحصر في ثلاث مشكلات:
الأولى: المعلمات المعينات في أماكن بعيدة ويضطررن لقطع مسافات طويلة. يستيقظ السائق مبكرا، أحيانا قبل صلاة الفجر، ويركبن مركبات قد لا تكون مناسبة وقد لا تكون في حالات جيدة.. وقد لا يكون السائق مؤهلا تأهيلا جيدا للقيادة، وقد لا تكون وسائل السلامة وسعة المركبة مناسبة للأعداد التي تركبها. والسؤال: هل سفر المعلمات كل يوم هو الحل الوحيد؟ هل فرضية تأمين سكن لهن في بعض المدارس مع الحراسة ممكنة؟ وإذا لم تكن ممكنة في بعض المدارس فهل يمكن تأمين نقل ذي مواصفات صحيحة لهن؟.


هل يمكن استبدال تلك المدارس على مدى المستقبل البعيد بمجمعات كبيرة لكل عدد من القرى، وتكون في إحدى القرى الكبيرة ذات المواقع المتوسطة بين كل مجموعة من القرى، ويتم النقل إليها عبر وسائل حديثة، ويتم إقناع المواطنين بهذا التوجه الحضاري الذي هو أولا وأخيرا في صالح أبنائهم؟.


هذه فرضيات يمكن مناقشتها وهناك غيرها من الفرضيات التي تحافظ على أرواح المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة. إنهم في ذمتنا جميعا فلنتق الله فيهم. أما الطالبات اللاتي يضطررن للذهاب مئات الكيلومترات إلى جامعة أو كلية فلا مبرر لذلك على الإطلاق.. لا أعرف لماذا يذهبن؟ أهن قد أجبرن على تخصص لا يوجد في الكلية التي لديهن.. أليس في الكلية تخصص يحتضنهن ويوفر عليهن عناء الذهاب مئات الكيلومترات؟ وإذا كان الأمر ضروريا واضطررن لذلك أليس في الإمكان توفير وسيلة نقل تتوافر فيها شروط السلامة بقائد مركبة تعرض لاختبارات دقيقة لضمان صلاحيته. هنا أيضا فرضيات كثيرة يمكن لواحدة منها تشكيل الحل الذي أيضا يحافظ على أرواح مثل أولئك الطالبات.


الواضح أننا بأجهزتنا لا نتحرك إلا كردود أفعال. لماذا لا نبادر؟! نبادر من الآن.. مستعينين بالله مسترشدين بنوع الحوادث والكوارث التي شهدناها، لنعرف أسبابها ونتأكد أن تلك الأسباب لا توجد في أماكن مشابهة.


مثل كل ما سبق من الحالات يجب أن يتوقف الآن حتى توجد الحلول الموقتة على مستوى المستقبل القريب إلى أن يُسار في الحلول الدائمة على مستوى المستقبل البعيد. الحلول العاجلة الموقتة لا بد منها حتى الانتهاء من تتبع عميق للكوارث التي تمت ثم يُبدأ في حلول دائمة لمنعها. وهي بلا شك حلول صعبة لكنها ليست مستحيلة. أسأل الله ألا تمر هذه الكوارث كسابقاتها، نغضب ثم نهدأ وهكذا كارثة بعد أخرى يستمر غضبنا حتى نجد حلولا دائمة. إنها مسؤولية.. أمانة، وأي أمانة. إنها أنفس تُزهق.

*نقلا عن صحيفة "الوطن" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.