.
.
.
.

مسلسل الإغلاق: «الحلقة الثانية»!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن مسلسل «الإغلاق» سيكون المسلسل الأكثر متابعة وجذباً وجلباً للصداع والأسئلة، فبعد إغلاق دكاكين الشهادات الوهمية جاء إغلاق ٨٠ في المئة من المعاهد الصحية بشكل كامل تمهيداً لإدخال طلابها كليات الطبية الحديثة، الإغلاق هو المصطلح الأكثر تعبيراً عن أن هناك تسرعاً أو تهوراً أو خطأ في الفتح والتخطيط والدراسة، وإلا لماذا نملأ التقارير السنوية ونعبئ الإعلانات بالأرقام معلنين عن خطط سنوية وتنمية بشرية مستدامة وفرص وظيفية متوقعة، ونعلن أعداد المنضمين والخريجين المنسيين، ونتباهى بمعاهد من فئة «في علم الغيب»، وسألخص السبب موجهاً أصابع الاتهام لمسؤولين نائمين، وإن استيقظوا وجدوا المقترحات على الطاولة والأفكار القادمة بتأثير الأصدقاء وأرباب المصالح والمستثمرين على حساب الجيوب عبر العقول، فيمارسون متعة المسؤول النائم الكسول، وهي متعة الإمضاء والتوقيع المبني على الكم لا الكيف.

مخرجات هذه المعاهد هي ضحية للفتح العشوائي وضيق الرؤية وانحصارها في أن الحلول العاجلة مسكتة على المدى القريب، لكنها لا تسمن ولا تغني من جوع على المدى البعيد، هي الحلول ذاتها التي يحضرها من يهمه الوجود داخل الحظيرة إنما لا تهمه كمية اللبن ولا نوعيته ولا استمراره، المعاهد قدمت ضحايا وموجوعين، احتضنتهم بضع سنوات بشيء من البهرجة والوعود والشعارات ووظائف السراب، نثرت لهم الأمنيات كدقيق فوق شوك، وقالت لهم ذات بؤس وصدمة وريح «هيا اجمعوها».

حملة الدبلومات الصحية ظلوا سنوات يشحذون طوب الأرض، حتى حضرت تباشير الفرح في توظيف متدرج ومنظم خلال ثلاث سنوات من الآن، على رغم أن التفاعل من وزارتهم تجاه الأمر الصريح بدأ بتشكيل لجنة، وما أكثر ما أصاب بالأزمة العقلية حين نلجأ في جل أعمال التصحيح والمعالجة للسيدة العجوز «لجنة»، سأترك موضوع اللجنة ولنمنحها 100 يوم منذ بداية العمل، على اعتبار أنها المدة المشهورة للوزراء والمسؤولين بعد تسلّم المقاعد الأثيرة والكراسي الإدارية وتزعمهم لجاناً تنبثق من لجان أخرى وتشكل شجرة من اللجان نضيع في زحامها وزحمة الأيادي معها.

إغلاق هذه المعاهد مضحك، والمضحك الآن لماذا فتحت من الأساس؟ أين هم خريجوها؟ وما مصير خريجي المعاهد المفتوحة المتبقية ذات البرامج المخطط لها؟ متى ستغلق وهل يعلم من يخطط للتخرج منها بموعد إغلاقها؟ هل سيتوقف المسلسل على الحلقة الثانية أم سيستمر؟ وما بين الفتح المستتر والظاهر والإغلاق أغْرِقَ المجتمع بالبطالة والمطالبات والقضايا والتجمعات والأصوات المبحوحة من الشكاوى، الإغلاق نتاج للإغراق بالأخطاء والمنتجات الرديئة، المساحة متاحة لإغلاق قادم لكن لن نتمكن من إغلاق عقولنا، فذاك تجاوز للحد المسموح به من تحمل الفوضى في ما يطلق عليه عبثاً «فِعْلاً تنموياً».

نقلا لـ صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.