السيدة العجوز... «الخطوط السعودية»!
أجد حوار المدير العام للخطوط السعودية على قناتنا المحلية الأولى بمثابة الحوار الذكي والشجاع من زاوية، ومتقن التوقيت من زاوية أخرى، أحسبها الزاوية الأهم في المرحلة المقبلة، من مجمل الحوار أعلن حقيقة أن أسطول الخطوط السعودية متهالك، وأعترف بأنه لم يتم شراء طائرة واحدة منذ ٢٢ عاماً، ولم تُحدَّث هذه الطائرات ولو بماكياج خاطف، بل عاشت «طويلة العمر» منهكة بحجم رحلات غير عادي، ومثقلة بعدد ركاب يتضاعف عاماً بعد عام، وينفجر غضباً من الناقل الداخلي الوحيد القديم.
أقف مع المدير العام سانداً وداعماً، ليس لأنني مقتنع بما تقدمه الخطوط أو مدافعاً عنها، بل لتبنيه خط حديث مغاير للمألوف، فنصف العاقل يعلم قطعاً أنها تتحرك مكانها منذ سنوات طويلة على مستوى التخطيط والتطوير والإغراء والانضباط التشغيلي، وبوح مديرها العام خير شاهد، الخطوط السعودية واحدة من الأجهزة المغضوب عليها شعبياً على مدار العام من دون أن تحاول «حاضنة الغضب» من أن ترفع هذا المستوى المتدني من الأداء، ولكن وللحق أن حديث هرمها الإداري الأول حديث جريء وكأنه يقول لنا هذه بضاعتنا وعليكم أن تقبلوها وتتحملوها، وسأركل لملعب الخطوط أسئلة مُشَاغِبة تقول: لماذا لم تحضر هذه الصراحة في أعوام فائتة؟ هل سيكون مستقبلنا مع الخطوط كما هو حاضرنا وماضينا معها مليئاً بالانتظار والاحتقان والدعوات والمطالبات والفوضى العارمة والتعامل المزاجي والضياع المتفاوت هنا وهناك؟
أزمة الخطوط ليست وليدة اللحظة بل هي معاناة مستمرة تنمو في الصيف بلا سقف، وبقية الموسم بتباين بين مدينة وأخرى، مسؤولوها يتمتعون بقدر عال من الصبر المختوم بالصمم، وإن تحدثوا كانوا غاية الإبهار في سوق الوعود المنتهية بالسراب، والمقدرة الرفيعة على حجب آذانهم عن سماع من يتهمهم بالقصور وتردي الخدمات، الخطوط متردية من دون أدنى جدال، وقد يكون حجم الخسائر البليونية ذا تأثير سلبي وهبوط عام في مستوى ما يقدم، لكن السنوات الماضية والفائتة كانت كفيلة بالتخطيط والدرس والتنفيذ والفعل الملموس لا على طريقة «نعتز بخدمتكم» التي باتت مثار سخرية خالصة لأن الشعار لعبة إعلامية وخدعة سماعية ليس إلا، في مقابل وعي من العملاء، والزبائن الدائمين للخطوط في ظل تسليمنا التام بحقيقة «أنه لا يوجد في هذا البلد إلا هذا الولد».
أستنسخ من حديث المدير العام للخطوط طرحه للحقائق والإمكانات من الكوادر والطائرات والمساحات، أحترم قوله للحقائق المسكوت عنها، والموجعة والمشعلة لنار الغضب تجاه الخطوط، أحلم بأن يتحدث مسؤول آخر بذات الشفافية ورمي الأوراق وإن كانت أوراق فشل، وأن يجرؤ على تعرية الجهاز بما يترك للمواطن امتصاص الصدمات في شكل متدرج، ما لا أوافق فيه مدير عام الخطوط نسبة التقصير في المطارات عندما حصرها في ٨ في المئة، بينما ٩٢في المئة تمثل نسبة تحقيق الرضا بين المسافرين، التقصير البارز لا الضئيل متفق عليه، لكنه لن يكشف بالزيارات المعدة سلفاً، والمحاطة بالفلاشات والاستعدادات، شكراً لمن عرى جهاز الخطوط وليس لنا إلا الصبر مع السيدة العجوز «الخطوط السعودية».
نقلا لـ صحيفة "الحياة"