.
.
.
.

استقدام واستقدام

علي بن طلال الجهني

نشر في: آخر تحديث:

لا يجهل مُتابع أن أهم مشوهات البنية الهيكلية للاقتصاد السعودي هو وجود نسبة كبيرة من بطالة الإناث ونسبة أقل من بطالة الذكور جنباً إلى جنب مع ملايين المستقدمين من دول شتى.

بدأ تشويه البنية الهيكلية للاقتصاد السعودي مع بداية ما سُمّي بـ «الطفرة» الاقتصادية الأولى (1974/ 1975- 1979/1978)، ولكنه لم ينته بنهايتها، بل زاد حتى في أيام الركود، حينما تدنت أسعار البترول واضطرت وزارة المالية للاقتراض من مصادر داخلية سعودية للوفاء بالالتزامات الضرورية.

وخلال الطفرة الاقتصادية الأولى، لم تبرز إلى السطح بطالة مكشوفة للجميع، وإنما بدأت تبرز تدريجياً وخلال بضعة عشر شهراً بطالة «مقنعة». فكل سعودي لا يجد العمل الحكومي الذي يرضي طموحه تحول إلى رب عمل بفتح «مؤسسة». ولا يهم ما هو نشاط المؤسسة. الهدف استيراد عامل أجنبي يقوم بالعمل إما بأجر ضئيل أو شريك فيصبح هو العامل وهو المدير ويعطي رب العمل المقسوم. ومعنى هذا أن عدداً كبيراً من أصحاب المؤسسات أو أرباب العمل كانوا في حقيقة الأمر «عاطلين» عن العمل، خلال الطفرة الاقتصادية الأولى.

وعلى مر السنين، وخاصة خلال سنين الركود، كشفت البطالة «المقنعة» عن وجهها البشع، وظهر للجميع بوضوح أن البقالات الصغيرة والمطاعم والورش وأكثرية أماكن بيع التجزئة يديرها ويعمل فيها، وأحياناً يملكها أجانب لا يستطيع السعودي منافستهم لا من حيث الأجور ولا من حيث ساعات العمل.

اتسع باب الاستقدام، ونما عدد من يعيشون على عرق الآخرين، فبعضهم استقدم العشرات، وبعضهم المئات، وبعضهم الآلاف من دون أن يكون لهذا العدد الهائل من المستقدَمين عمل محدد. وأكثرية هؤلاء المستقدَمين تحولوا تدريجياً أربابَ عمل بالاتفاق مع سعودي، وكثيراً ما كان أرباب العمل الحقيقيون من الأجانب الذين تستر عليهم المواطنون يقومون باستقدام المزيد والمزيد من أبناء جلدتهم.

والاستقدام بحد ذاته، إذا كان مقنناً محدداً لأداء أعمال محددة معلنة بأجور مماثلة لأجور المواطنين، ليس مصدر البطالة، فألمانيا استقدمت ملايين العاملين خلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات، ولا زالت موطناً لنحو 7 ملايين أجنبي، أي نحو 8% من مجموع عدد مواطنيها الذي يتجاوز 82 مليون نسمة. ومعظم الأجانب في ألمانيا، في السنوات الأخيرة، أتوا من دول الاتحاد الأوروبي بحثاً عن مستوى معيشة أفضل. وألمانيا حرصت سابقاً وحالياً على ألا يقل أجر الأجنبي عن أجر الألماني الذي قد يختار أداء ما يؤديه الأجانب.

أما سنغافورة، وهي دولة صغيرة تتكون من مدينة واحدة، تستقدم حالياً نحو 40% من عدد سكانها الذي يقل قليلاً عن خمسة ملايين وخمسمائة ألف نسمة، وفي الوقت ذاته لا تعاني من البطالة. والسبب أن سلطاتها تفرض على أرباب العمل رسوماً تزيد كلما تناقصت مؤهلات العامل الأجنبي المستورد وتقل بزيادة مؤهلاته، حتى لا تقل كثيراً تكاليف توظيف الأجنبي عن تكاليف توظيف المواطن.

فعلى سبيل المثال، يدفع رب العمل السنغافوري شهرياً رسوماً تبلغ ما يساوي نحو 983 ريالاً سعودياً مقابل الحصول على بطاقة توظيف للعامل غير المؤهل، ونحو ما يساوي 685 ريالاً للعامل المؤهل. وحتى بالنسبة إلى الخادمة المنزلية، يدفع رب العمل ما بين 360 و 800 ريال وفقاً لظروف رب أو ربة المنزل ومدى الحاجة إلى المساعدة، بالإضافة بطبيعة الأمر إلى دفع الراتب المتفق عليه أوتوماتيكياً وبانتظام في رقم حساب معروف للسلطات الحكومية.

ولماذا تفعل سنغافورة هذا؟

أهو لرفع تكاليف حياة المواطنين؟ أهو لنفع المستقدَمين؟

بالطبع لا. الغرض هو تمكين المواطنين من منافسة العاملين المستقدَمين برفع تكاليف الاستقدام المستمرة حتى يجد المواطنون الجادون في البحث عن عمل فرصاً أفضل.

وخلاصة الموضوع ليست بخافية على أحد. إننا في السعودية نعاني من مرض مزمن اسمه البطالة. وعلى الرغم من كل ما يحيط بالبطالة من عوامل سياسية واجتماعية ونفسية وتربوية، فإن مصدرها في نهاية المطاف هو تدني تكاليف الأجانب بالنسبة إلى أرباب العمل حتى زادت مصاعب المواطنين في منافستهم في أسواق العمل. ويزيد الأمر تعقيداً تفضيل السعوديين للعمل المريح في الحكومة. أضف إلى كل هذه التشوهات غياب الأنظمة التي تحمي أرباب العمل لو تحملوا تكاليف تدريب السعوديين، فالشاب السعودي قد يقبل العمل الذي يعرضه القطاع الخاص موقتاً في انتظار وظيفة حكومية أو لإنهاء فترة التجربة للحصول على مكافأة إنهاء خدمة ثم الانتقال إلى رب عمل آخر من دون أن يؤثر ذلك في سجل توظيفه. ولكن وزير العمل وزملاءه يعرفون كل هذا وأكثر، ويسعون لرفع تكاليف توظيف الأجانب جنباً إلى جنب مع بذل الجهود لاستصدار أنظمة للتقليل من عدد من يتظاهرون برغبتهم في العمل في القطاع الخاص مع أن هدفهم السياحة المربحة بين رب عمل وآخر من دون أن تسيء هذه السياحة إلى توظيفهم في المستقبل، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي.

نقلاً عن "صحيفة الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.