.
.
.
.

التحرش بالعقول... بداية الهبوط

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

لأن التحرش يعبر بيننا بلا قانون، فلا غرابة أن يُسْتخدم حلاً لما ترفضه العقول المتصلبة، وتعتقد أنه مدعاة للتغريب والإفساد، يمر «التحرش» كمفردة مطاطية بالغة الحذر على صعيد الإثبات والتعاطي، الجيل الحالي لا يعرفها تماماً وتتناولها حاسة السمع لديه بلمحة من التساهل، ويعتقد بأن المفردة لا تتحقق إلا في حال المضي لما وراء الخطوط الحمراء والضرب من تحت الحزام، ويعلم فوق ذاك أنها لا تقرأ جيدا من جوانب الكشف ولا العقوبات المصاحبة، فالذهاب الجريء إلى تفاصيل الكلمة ومساحاتها المتجاوزة للعرف والعقل هو نزيف عالٍ لا يعالج إلا بعقوبة بَحْ صوت العقل المتزن الواعي، وهو يطالب بها، وأكَّد أنها تتنامى تحت تأثير غياب الرادع وتمييع التحرش والانتظار الممل والمضحك، لأن تتحول إلى ما نقول عنها «ظاهرة»، كي نبدأ في شحذ الهمم وفتح دكاكين الكلام والتنظير المتأخر الذي سيعرض جملةً من الحلول، لكنها حلول تحضر على أنقاض من عانى من لعنة هذه المفردة وتحمل تجاوزاتها وحرقتها راغماً ومكرهاً.

من يقول إنه لا تحرش لدينا فليبرر لي خروج أحدهم بنص مبطن بالغ الرمزية ليعتبر التحرش طريقة مثالية وغير مباشرة، لمنع عمل المرأة ووضعها في إطار ضيق، وبمواجهة ما لا يمكنها دفعه أو تحمله، لأن درجات أدائه متفاوتة ومحرقة وزرع للكراهية والخوف في الأجساد التي نعلن في أي حضور أمامها وقوفنا معها يداً بيد لمنحها الأمان والثقة، والدفاع عنها في ما لو كان هناك من يقف من دون شرعية هذا المنح.

التحرش بالعقل في غاية الخطورة، لأنه يقود الأعمى والبصير إلى فعل المحذور، وتناول التحرش بالمجمل، على أنه طريقة متاحة ومباحة وعلاج ممكن لقرار تأنيث المحال النسائية وعمل المرأة تناول رديء، ومخيف على الخط نفسه. رداءته في أن العقل المقتنع بالطريقة والعلاج مأزوم ومريض ويملك قُصُوراً في الفهم، ستكون تفاصيله شديدة التأثير وعميقة الجراح، والخوف من أن هذا العقل يقدم النصوص الشرعية بما يتفق مع المزاج ويقدمها في طرح مهترئ ويحقنها في أفراد سريعي التصديق ومتبايني الاهتراء، فيتفقون مع الطرح والرأي ويؤدون دور الهم الجديد على القلب.

غياب القانون المعلن الصريح عن فعل التحرش يُنْزل من علامات الاستفهام ما يكفي، والقدر ذاته من العلامات يتربع في الصف الثاني على وجود من يفكر بهذه العقلية من دون أن يُسَأل أو يُوقَف أو يُعاقَب. العقوبات المبنية على دراسة الحالات وسؤال الضحايا سيكونان أشبه بالمعاملات الحكومية الطويلة والمملة والمنتهية فجأةً. كنت أظن أن التحرش مفهوم مراهق ونقص عقلي فقط، لكنني آمنت أنه مرض سلوكي له مسبباته الصغرى والكبرى التي ندور حولها، لكننا لا نتجه إليها.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.