.
.
.
.

... مؤامرة لا تنتهي

هالة القحطاني

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من نزول الوحى بـ(اقرأ) على نبي هذه الأمة، في أول إشارة لأهمية التعليم للإنسان، إلا أن كثيرا من العقول أبت أن تتفهم شمولية هذه الرسالة في السابق واستثنت الفتيات باجتهاد فردي خاطئ من التعليم، ليُورث عبر الأجيال، ويتعطل تطوير المرأة لسنوات طويلة، ليفيق المجتمع بعد فترة على واقع التأخر والرجعية وكثير من النواقص والقصور في نواح متعددة من ميادين الحياة، لتدفع المرأة ثمن أخطاء تلك الحقبة، وعندما بدأن يطالبن (شقائق الرجال) بحقهن الطبيعي في التعلم اصطدمن بتأليف أكثر من قصة تنتهي بالنوايا السيئة وتقدر الشر قبل حدوثه وتدخل بشكل مباشر في علم الغيب وتنتهي بتهمة التغريب، وبعد أن وقفت الدولة فترة طويلة مع طرف واحد، سطعت شمس التغيير لتبدد كل تلك المخاوف التي حبست التقدم والحضارة سنوات عديدة، فبعد أن صدر قرار تعليم الإناث في عهد الملك فيصل – رحمه الله – منذ أكثر من ستين عاما، بدأت (المؤامرة التغريبية الكبرى) التي أبت ألا تنتهي، ولازمت المرأة في حلها وترحالها وحاصرتها حتى داخل بيتها إلى أن حولتها إلى أضحوكة الزمان والمكان، لتكون مادة دسمة في البرامج الحوارية الساخرة في الدول الأجنبية، حيث لم تتعرض المرأة السعودية في حياتها لاستهداف غربي مثل ما تعرضت له محليا، حتى أصبحت بقدرة قادر تصنف كمحارم للجميع، وشاغل لمن لا شغل له، ومع أن المجتمع كان يرزح تحت وطأة فساد ظاهر للعيان، لم يتصد له ثلة الأشاوس وتركوه ينمو ويستشري إلى أن ظهرت الكوارث، فعذرا لجميع ضحايا السيول في البلاد، لم نجد من ينقذكم، لأن الأغلبية كانوا مشغولين في حرب التصدي للأجندة الخارجية!!
وبعد جدل استمر عشرات السنين من أجل التعليم، عدنا في جدل آخر، فحين طالبت بالمساواة في الرواتب والمميزات والتطوير والتدريب في أماكن العمل المحدودة والمتاحة، اتهمت بأنها تجهر بالتحرر، وتجرأت لتتساوى بالرجل بشكل مشكوك في أمره، وكأنها أعلنت للتو أنها ستطلق شاربها!
وعندما طالبت بتأنيث المحلات التي تبيع المستلزمات النسائية الخاصة، تم استقبال الأمر على أنها دعوة للاختلاط والمجون في أحضان الرذيلة، بينما كانت العرب منذ زمن الجاهلية تختلط بشكل عادي دون كل هذا الضجيج، لتستمر فئة من المجتمع بإدارة هذا الجدل لعشر سنوات إلى أن تم تنفيذ القرار، وحتى بعد أن انتقلت من البيع في بسطات الشارع تحت الشمس الحارقة، إلى المحلات المكيفة التي كان يهنأ بها العامل الآسيوي، نسجت جميع القصص الظلامية التي أتت من خيال الشر لتصور الخطر المتربص بها، في اتهام مجحف في حق جميع الرجال، دون تمييز حين حولتهم تلك النفوس المريضة المتشائمة إلى وحوش، وبعد أن انتهت الضجة وتأنثت أغلب المحلات النسائية، بدأت مؤامرة أخرى.
فلم أستغرب من ردة فعل التعليم حين جعل من رياضة البنات أزمة، لأنه لعب دور البطولة في تأخر تعليمها من قبل وتعطيلها في الوقت الراهن، فبعد أن وجه وزير التربية والتعليم تعميما لجميع الإدارات، يقضي باعتماد جملة من الضوابط والاشتراطات لتنظيم نشاط اللياقة الصحية في مدارس البنات الأهلية، التي من المفترض أن يبدأ التطبيق الفعلي لها العام الدراسي المقبل، إلا أن جزئية المدربات تحولت إلى مشكلة تمسكت بها الجهات المسؤولة عن تفعيل القرار ليتأخر سنوات أخرى، بسبب عدم توفر مدربات سعوديات مؤهلات، وكون التجربة حديثة توقع التعليم أن يكون هناك عزوف من بعض الطالبات وأولياء أمورهن حيال الالتحاق بالأنشطة الرياضية، مع العلم أن أغلب المدارس الأهلية تطبق حصص الرياضة منذ سنوات وقبل صدور القرار، ولا أدري لماذا كل تلك المبالغة من أجل حصص رياضة تعنى بصحة الفتيات منذ الصغر، والحقيقة لا أدري كيف لا تخجل وزارات ومؤسسات تعليمية كبرى من إعلان فشلها بأن 32 جامعة لا يوجد بها تخصص تربية بدنية، وكانت مؤخرا تتنافس على درجة التصنيف بين الجامعات العالمية، وبدلا من أن تعكف على إنشائه أو محاكاة التخصص في جامعات خارجية، جلست تضخم العراقيل دون أن تبدي أي تحرك واضح بتحمل مسؤولية إنجاح هذا القرار، وأتمنى أن لا تلجأ الجهات المسؤولة في النهاية بتوقيع اتفاقية مع أرامكو لحل هذه الإشكالية مثل بقية الوزارات التي لا تقدر على شق باب في جدار يعترض طريقها، لتلقيها على عاتق شركة متخصصة في صناعة النفط!
والمؤامرة الجديدة التي بدأت حين طالب داعية إسلامي بدخول المرأة السعودية عضواً في هيئة كبار العلماء، ومنحها حق الإفتاء وعضوية المجالس الفقهية، ووضح بأن عدد النساء السعوديات القادرات على الفتوى كثير، إلا أنه لم يتم تأهيلهن في ظل الموروثات الذكورية الموجودة عند بعض أهل العلم، على الرغم من وجود أعداد كبيرة منهن في الجامعات السعودية والكليات الشرعية وكان واثقا بأنها قادرة على الفتوى في خصوصيات النساء الدقيقة جداً، واقترح على هيئة كبار العلماء أن تتبنى بعض السيدات العالمات ويؤذن لهن بالفتوى في الأحوال الخاصة بالنساء، حيث لا يوجد إشكال بعضويتها في هيئة كبار العلماء بعد أن أصبحت عالمة وقادرة على الفتوى لأن الرجل مهما بلغ من مرتبة علمية لا يمكن أن يدرك الفروقات الدقيقة جداً في خصوصيات المرأة، وعلى الفور تمت مهاجمته ليبدأ جدل جديد من قبل عضو آخر في اللجنة العلمية في الهيئة الإسلامية العالمية برابطة العالم الإسلامي، حيث اتهم مَن يطالب بدخولها عضواً في هيئة كبار العلماء، بأنه ينفذ أجندات خارجية تكمن في تمكين المرأة بسبب ضغوطات المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، في الخارج، وأكد أن الرجال هم أكثر من يفتي في خصوصيات المرأة (تاريخياً)، مزكيا أنهم الأكثر علماً والأصلح للفتوى!…. لنبدأ بتفكيك مؤامرة أخرى تستهدف المرأة الأعجوبة والمستهدفة الوحيدة في العالم من أجندات خارجية، يهددها مستقبل ضبابي يخفي خلفه كثيرا من المفاجآت والاختراعات، ولكن على الرغم من كل تلك الصعاب، لا يعرف كثير أنها ما زالت قوية ومتفائلة بأن المستقبل سيكون أجمل وسيأتي يوم تنتهي فيه هذه المؤامرة!

نقلا عن صحيفة "الشرق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.