تويتر وصناعة الطغاة!

فهيد العديم
فهيد العديم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

والطاغية هنا ليس الحاكم الديكتاتور المُستبد، فذلك مازالت صناعته تتم بالطريقة التقليدية، إنما ظاهرة الطغاة الجديدة تتكون من مثقفين ودعاة واقتصاديين وسياسيين ورياضيين، وفئة أخرى لا تصنيف لها، العامل المشترك بين كل هؤلاء هو عدد الـ(Followers) أي (التابعين) حسب ترجمة الشيخ الدكتور محمد العريفي، فهؤلاء كانوا قبل تويتر مجرّد شخصيات عادية (مثلنا تماماً) لها اهتمامات بموضوع معين، يصدف أحياناً أن تستضيفهم قنوات لا تبحث عن الحقيقة أو المعلومة بقدر بحثها عن «الأكشن»، وكانوا للأمانة نِعم (المؤكشنين)، إذ كانوا يقولون ما يُريد «التابِع» قوله، بغض النظر عن موضوعيته أو مصداقيته، الأهم أنهم مُعارضون بالمُطلق لكل شيء.

وهذه التجربة كشفت لهم أن «لا» هي الحل، خاصة إن كانت الـ»لا» ضد قرار حكومي، فهي تُضفي قيمة أكبر، والإشكالية التي هي من أهم مراحل صناعة الطاغية ليست في أنه يتبنّى رأياً لا يستند لدليل مادي أو عقلي، بل في أنه يتجاهل أي رأي يعارضه أو يناقشه، ويترك «للتابعين» الدفاع بالشتائم والتقريع إنابة عنه، فهو لن يناقشك ليس لأنه يدرك هشاشة طرحه فقط، بل لأنه يرى مجرد مناقشتك قد تحطّ من قدره عند التابعين، وبعد أن تضطر للصمت لتجنّب مزيد من القصف الشتائمي والإرهاب الفكري يبادر هو بالتغريد بلغة مواربة بأن من يعارضه إما جاهل مخدوع أو بوق حكومي، والأخيرة في رأيه أن تقول لها «لا» بغض النظر عمّا قالت، فالرجولة والوطنية أن تقول «لا».

والويل لك إن شككت في قدرته على تحليل الواقع البعيد عن تخصصه، بل إنه يعتبر هذه من نقاط القوة لديه للتأثير في الجماهير، فالواعظ مثلاً يوحي للآخرين بأن الساسة تعيث فساداً في مستقبل الأُمة، ولأنه «كاشفهم وكافشهم» فإنه يوضح للناس مؤامراتهم، وقِس على هذا المثال البقية من التخصصات، في مرحلة النضج يكون الطاغية وصل لمرحلة «التسامح»، على اعتبار أن من لم يؤمنوا بفكرته هم أعداؤه، ويبدأ بالدعاء لهم عسى الله أن يردَّهم للحق (والحق يقصد به ذاته)، ويبدأ يدعو بالتواضع عند التعامل مع أهل الأرض!

نقلا عن صحيفة "الشرق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.