.
.
.
.

ليلتي... في الخيمة الدعوية!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

أن يوجد حليق وذو شارب خفيف جداً في خيمة دعوية، فذاك ما يحسبه بعض الأصدقاء شيئاً من التحول والتناقض والازدواجية والسباحة عكس التيار، أصدقكم القول إنني لا أحب التصنيف، وأجد نفسي في أي مكان متاح مكشوف ومفتوح، وأستمتع بالعمل النقي الأنيق الصريح المباشر، وأندمج معه وفيه بتلقائية وشفافية، حاملاً في الوقت ذاته قدرة تامة وكاملة على أن أقول إن هذا الفعل خاطئ أو إن ثمة شكوكاً تلعب برأسي تجاه شيء ما.

الخيمة الدعوية التي كنت ضيفها ما قبل البارحة في مدينتي المزدحمة بالصيف والناس أبها تسجل حضورها السنوي الخامس في مساحة كبرى وبأفكار تتجدد، حييت في فريق العمل التنظيمي والميداني رغبتهم الجادة والفاعلة في العمل الديني والاجتماعي والإنساني، وحييت فيهم أكثر قدومهم لميدان الفعل والتنظيم من بوابة العمل التطوعي التي نفتقدها في كثير من جوانب الحياة.

يحزنهم ولن يوقفهم الغبار الذي يعبر عليهم من خلال شيء من الآراء المضادة الحادة والمصرة على أن المخيمات على اختلاف فصولها وأمكنتها تفرغ للتشدد والعنف والانغلاق، وتقود لمربعات مخيفة ودوائر محرقة، وتحمل أفكاراً غارقة في الانفجار المدروس والفوضى العارمة.

لا أميل - شخصياً - ولا أحب رمي الاتهامات وزرع الشكوك والتنبؤات المستعجلة، ما حدث من أخطاء أو حالات اندفاع لجيل مضى يجب ألا نعممه على المتزنين والمدركين لم نُسْتهدف؟ ومن المستهدف؟ فأن نثق بهم ونوكل لهم متابعة هذه المناشط الدعوية والبرامج المصاحبة ورعاية أكثر من فئة والاهتمام بهم واحتضانهم واحتواءهم ثم نخاف من أن يؤثروا فيهم فكرياً فذاك يحمل تناقضاً يجب ألا ننكره.

للأمانة وللحق فما شاهدته مساء الاستضافة يثبت أن بين يدينا قدرات في مجالات متنوعة، ملتزمون بثوابت دينهم ويخافون على وطنهم، ويجرحهم النظر بشيء من الريبة لأعمالهم وحماستهم ونشاطهم، كنت أحلم فقط بأن أملك الوقت لأعبر معهم على كل البرامج والجدول المتنوع للخيمة، فلا أنكر سعادتهم حين كان هذا الكاتب الشاب بينهم مستمعاً ومناقشاً ومحاوراً ومتسائلاً في بعض الأحيان وقادماً عن قناعة وثقة بأن الخوف مشترك، والهم واحد، وأن لا شيء يفرقنا لأن المركب وحيد ومعلوم، تناقشنا بحماسة عن أبعاد وآثار الفكر المنحرف والمتطرف، اتفقنا على أن التعميم للأفعال الشاذة والسلوكيات وجع وظلم في آن واحد، فالمخطئ والشاذ لا نقر به «سوية» ونرفضه ونقصيه ونكشفه ونعريه.

قالوا لي في البدء وقبل المغادرة هذا برنامجنا لـ15يوماً، لك حرية الانتقاد والتساؤل، نحن عند الثقة ومؤتمنون على ما بين يدينا ونخاف على الحاضر والموجود، لا تشدد لدينا ولا مجال لانحراف فكري ولا عقدي، فكلاهما مظلم ومحرق، غادرتهم وأنا متفائل بالخيمة والتطوع والاحتواء والبرامج، فمهمتهم ليست بالسهلة ومحفوفة بالمخاطر تحت تأثير سلوكيات زمن فائت، لكن جهدهم المجاني وحضورهم الفكري المعتدل والشمولي والعقلاني مستحق للإشادة ولو بمقالة عابرة.


*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.