توفيق الربيعة
منذ توحيد البلاد قبل 82 سنة، مر على السعوديين عشرات الوزراء من مختلف المدارس والمناطق. إلا أن قليلاً من هؤلاء نال شعبية جيدة تعبر عن رضا المواطنين عن ما قدّمه. بل أن القاعدة العامة هي تبرم الناس وتذمرهم من أداء الوزراء، وضعف إنتاجيتهم مقارنة بطول بقائهم على الكراسي الساخنة. وتزداد الشعبية أو التذمر عادة وفق طبيعة عمل الوزارة، فالوزارات التي تقدم خدماتها للجمهور مباشرة، ويقصدها الناس لتخليص معاملاتهم، ينال وزيرها شعبية أكبر أو تذمراً أوسع مقارنة بوزراء الكراسي التي لا ترتبط أعمالها بخدمة الناس مباشرة.
والشعبية المقصودة هنا هي الرضا الشعبي عن أداء الوزير، وامتنان العامة له لتسهيل أمورهم، أو تحقيق مطالبهم، أو توصيل المشاريع إلى منازلهم وقراهم. والشعبية لا تعنى الشهرة (وإن كان هناك بعض التداخل بينهما)، لأن هناك وزراء نالوا شهرة كبيرة ولكن بلا شعبية، نتيجة تسليط الإعلام الضوء عليهم، أو نتيجة قربهم من أصحاب القرار، أو نتيجة عدم حاجة المواطن لمراجعتهم، لأن عملهم لا يرتبط بشؤون المواطن مباشرة.
اقتصادياً، لعـــل أكثر الوزراء شهرة في العهد السعــودي الأول هو الوزير عبدالله بن سليمان، رحمة الله، وهو أول من حمل لقب «وزير» في السعودية. ويكفي أن تقول كلمة «الوزير» مجردة، لينصرف ذهن السامع مباشرة إلى بن سليمان، وتولــى بن سليمان وزارة المال عند تأسيسها في عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في عام 1927 (كانت تعرف بداية باسم مديرية المالية العامة، ومقرها مكة المكرمة). ويحمل أحد الشوارع الكبرى في الرياض القديمة اسم «شارع الوزير»، نسبة إلى الوزير بن سليمان.
وباستعراض تاريخ الوزراء والمسؤولين في السعودية ممن حققوا شهرة أو شعبية في ما يتعلق بالمناصب المرتبطة بالاقتصاد، لا بد من التوقف عند أسماء مثل عبدالله الطريقي، رحمه الله، وهو أول مبتعث سعودي للدراسة في أميركا، وأول وزير للنفط في البلاد، وإليه مع وزير النفط الفنزويلي «الفونسوا بيريز» يعود الفضل في تأسيس «أوبك». كما لا يمكن إغفال الدور الاقتصادي للمرحوم أنور محمد علي، الذي انتدب كخبير مالي من صندوق النقد الدولي لحل الأزمة المالية السعودية الكبيرة في 1958، ليستبقيه الملك فيصل ويسلمه إدارة مؤسسة النقد (ساما)، وهو الذي أعاد تنظيمها وهيكلتها التي يعتمد عليها إلى اليوم.
وبالتأكيد، ليست هذه المقالة تأريخاً أو حصراً لأسماء وجهود الوزراء والمسؤولين السعوديين، فلن تكفي مجلدات كبيرة لتعداد أسمائهم وجهودهم، لكن تاريخياً - وفق وجهة نظري - لم يحقق وزير ولا مسؤول سعودي من الشهرة والشعبية معاً مثل ما كان لغازي القصيبي، رحمه الله. فالكاريزما، والشعر، والأدب، والكفاءة في العمل، والإنجاز، ونظافة اليد، كلها مواصفات جعلت غازي، ووفق وصف صديقه سفير الكويت في لندن خالد الدويسان، يخلق ما يشبه الثورة في المكان الذي يتواجد فيه. فالرجل كان استثنائياً عن حق.
ولأن السعودية، مثلها مثل البلدان النامية الأخرى، لا يلعب فيها النظام المؤسسي دوراً كبيراً، تبقى الإنجازات والتغيرات والتطوير عادة مرتبطة بكفاءة الوزير والمسؤول الفرد. وهذا ما يجعل مواطني البلد يتطلعون لكل تغيير وزاري كبير أو صغير، بشوق ولهفة وترقب لاسم من سيعتلي الكرسي الساخن، وما هي خلفيته وإنجازاته السابقة.
في التشكيلة الحالية لمجلس الوزراء، يتحدث السعوديون بغبطة وثناء كبير، جهراً وهمساً، عن جهود وزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق الربيعة. وعلى رغم أن الرجل لم يمض على تسلمه المنصب أكثر من سنة وسبعة أشهر، فما فعله إلى الآن يشير إلى سعي للتطوير والتحديث في عمل الوزارة بشكل غير مسبوق. وإضافة إلى صغر سنه، مقارنة بزملائه، فإن الربيعة، الذي يحمل الدكتوراه في علوم الحاسبات من جامعة بيتسبرغ الأميركية، قد نجح فعلاً، وفي وقت وجيز، في تغيير نظرة الناس إلى وزارته. فوزارة التجارة كان ينظر لها في السنين الماضية على أنها وزارة للتجار، تخدمهم، وتقف بجانبهم، ولا تهتم بالمواطن، فكانت أولى النجاحات التي تسجل للربيعة أنه نجح في قلب هذه النظرة وتغييرها في الذهنية الشعبية، من خلال العقوبات التي تصدرها وزارته على التجار، وتدخلها لمنع رفع أسعار بعض السلع مرات، والجهود الكبيرة التي تبذلها الوزارة حالياً للقضاء على ظاهرة الغش التجاري.
كما يحسب للربيعة تواجده المستمر على مواقع التواصل الإلكترونية، يرد على استفسارات الناس، ويحدثهم عن قرب، ويستمع لأطروحاتهم، وطلباتهم، وهو ما أعطاه القبول والرضا الشعبي الكبير خلال فترة قصيرة جداً. يضاف إلى ذلك تواضع الربيعة، واعترافه دائماً بالتقصير والخطأ، وبعده عن التصريحات المستفزة للناس، وهو ما أعطاه قبولاً قل من يحظى به من الوزراء، ولا يزال مشواره طويلاً، ونتمنى له التوفيق والنجاح.
نقلا عن صحيفة "الحياة"