سبب.. وجيه جداً
إياك إياك أن تمرض أو ينخفض ضغط الدم لديك أو تفقد وعيك أو تفجأك جلطة أو ما شابه، قبل أن تتماسك وتذهب إلى خزانة ملابسك وتمسك بالثوب والشماغ ثم ترتديهما على عجل لتستطيع الدخول لمستشفى ينقذك ويعالجك مما أصابك.
وأحرص - هداك الله - قبل ن تخرج من منزلك على أن ترتدي زيك الوطني في كل الأوقات حتى وأنت ذاهب في رحلة صيد فلربما فاجأتك سمكة حمقاء أو قرصك قنديل البحر ثم لا تتمكن من دخول المستشفى لتتلقى العلاج، وإن لم تستطع فاحرص كل الحرص على أن يكون في سيارتك زي وطني احتياطي وشماغ مكوي و«منشّى» على الآخر، فأنت لا تدري ما الذي قد يحدث لك في الشارع؟
سؤالي قبل أن أدلف إلى الموضوع الصادم جداً جداً: هل على المقيمين أيضاً ارتداء الزي الوطني (بالغصب) حتى يتمكنوا من تلقي العلاج؟! وسؤالي الثاني: هل النساء أيضاً معنيات بالأمر، فتمنع أي امرأة من تلقي العلاج، لأنها لا ترتدي العباءة؟! هل المستشفى معني أيضاً بما تم ارتداؤه تحتها؟! هل لو كانت المرأة في سهرة أو زفاف وفاجأتها أزمة قلبية فعليها أن تقول لها: اسكتي، حتى أذهب إلى المنزل وأغير الملابس التي لا تليق بدخول المستشفى ثم تذهب فلربما سمحوا لها بالدخول؟!
نشرت الصحف المحلية قبل أيام خبراً عن منع دخول شاب مريض إلى مستشفى الجبيل العام، لأنه لم يرتدِ الزي الرسمي الوطني، وعندما ذهب قريبه ليستفسر من المدير المناوب أكد لهم أن لدينا تعميماً بذلك فأخرج الرجل قريبه وأسعفه في مستشفى خاص يبعد عن المكان 250 كيلومتراً.
سؤالي الثالث: لو كان هذا التعميم صحيحاً.. ألا ينبغي أن يطبق في كل المستشفيات على رغم أنه ينافي المنطق والعقل والإنسانية والرحمة، وعلى رغم أني أشك في صحته.. فأين وزارة الصحة؟ أين صوتها لتخبرنا بحقيقة ما جرى؟ هل هو موقف فردي؟ وإذا كان كذلك ألا يجب أن تخبرنا أن هناك تدريباً سيتم لمنع تكراره؟ ولو مات الشاب فمن يستطيع أن يتحمل وزر موته؟ مجرد سؤال أنتظر أنا والكثيرون أمثالي الإجابة عنه.
الجودة أن تتعامل كل المستشفيات الخاصة والعامة بالقدر نفسه من الالتزام بالتعاميم وعلى جمعية حقوق الإنسان وهيئة حقوق الإنسان أن تتدخلا لمنع هذا التعميم إن وجد.
أرسلت لي الدكتورة الفاضلة سامية العمودي رسالة تعليقاً على مقالة «مكيفات» والموضوع الذي كتبته عن الممرضات الـ12 اللواتي امتنعن عن العمل تقول فيه: إن سبب امتناع الممرضات إجبارهن على وضع القسطرة البولية للرجال وإن هناك تعميماً بذلك، خصوصاً أن أي ممرض ذكر أو طبيب بإمكانه القيام بهذا الأمر بكل ما يتضمنه من آليات».. بالطبع أوافق على ما ذكرته الدكتورة سامية. لم أكن أتصور أن امتناعهن عن العمل هو لهذا السبب، فالخبر الصحافي لم يوضح سبب امتناعهن عن العمل على رغم إني أؤمن أن التمريض والطب مهنة سامية وراقية جداً تتعامل مع حالات صعبة من دون تصنيف (وقت الضرورة). وإذا لم يكن لدى المستشفى ممرضون ذكور فهناك خلل إذن في توزيع الكوادر، وعلى المسؤولين الانتباه إلى ذلك.
أفزعتني جداً حادثة قتل أبٍ ولده الطفل وإخفاء جثته وقيامه بإبلاغ الشرطة و«الهيئة» عن اختفائه، على رغم أني تساءلت: لماذا أبلغ «الهيئة» وما علاقتها بالموضوع؟
وأفزعني أكثر سبب الجريمة النكراء التي أدعو الله ألا تمر علينا مرور الكرام لتصبح قصة نشهق عليها قليلاً، ثم ننتظر لنقرأ قصة أخرى بطلها أب آخر وضحيتها طفل آخر، خصوصاً أن هذه الجريمة البشعة تزامنت مع نشر إحصاء في صحيفة «المدينة» مع تفاصيل الجريمة توضح أعلى درجات العنف ضد الأطفال كانت في السعودية.
أعود إلى السبب الذي جعل الأب يقتل ابنه بعد أن ربطه بالسلاسل في إحدى المكيفات بعد أن قام بتعذيبه ومنع أشقائه ووالدته من الاقتراب منه حتى توفي. السبب يا سادة يا كرام أن الطفل لم يحفظ آيات من القرآن كما أمره الأب، فكان عقابه لعدم الحفظ هو التعذيب والرعب ثم الموت!
سكوت الأم على رغم أني أتفهمه ولا أقبله، بل أرفضه رفضاً قاطعاً فأي قطة تنقلب ذئبة عندما يقترب أحد من صغارها، ولكن علمها بأن الأب بإمكانه تسفيرها وبإمكانه حرمانها من أولادها وخوفها ورعبها وغربتها وحزنها تجعلها تسلك هذا السلوك وتخاف وتصمت، وهي تدعو الله، فالعيش مع معنف بَلْوَر شخصيتها بهذه الطريقة، لكنها وأؤكد على (لكنها) لو عرفت أن هناك هاتفاً سريعاً سيجيب عليها ويأتي لمساعدتها ومساعدة ضناها من دون أن يفضحوها ويخبروا الجاني عن اسم المبلغ لكانت اتصلت واستغاثت (ولكنها) لو عرفت أن بلاغها عن العنف وطلبها المساعدة ستجد من يقف بجانبها ويمنع ترحيلها ويوفر لها مسكناً لها ولأولادها حتى يتم علاج المعنف وتأهيله لكانت فعلت.. هل عرفتم الآن أين الخلل؟
*نقلا عن "الحياة" اللندنية