سياحة «سوق» و«مطعم»
في كل عام لنا مع السياحة في بلادنا قصص وبرامج، مقالات وتحقيقات، الناس تبحث عن أماكن الجذب السياحي وتطوير الخدمات، والمشاريع الموعودة، والرزنامة السياحية، الجميع يؤكد أن السياحة صناعة تنافسية وقيمتها المضافة عالية لتوطين الوظائف والأموال في الوطن.
لازلنا نبحث في الشكل والمضمون، وقنوات الدعم والمؤازرة، بالشكوى من تحديات وعقبات تواجه قطاع السياحة في بلادنا، سنبقى في دائرة التردد تدور بنا، على رغم وضوح الاستراتيجية والأهداف عند الهيئة العامة للسياحة والآثار، التي يبقى دورها مؤثراً وفاعلاً عندما تُشجع وتقوم على دعم فعاليات وأنشطة وبرامج تعكس الأبعاد الحضارية والتراثية والتاريخية والثقافية، مع ارتباط بالتنمية والعوائد الاقتصادية من خلال مهارة وجاذبية السلع السياحية المقدمة للمجتمع الداخلي والمجتمعات الخارجية بثقافاتها واهتماماتها المختلفة.
مجتمعنا الداخلي تطور في الفكر والثقافة والتذوق والإحساس وتنوع الاهتمامات، بعد الانفتاح الواسع على العالم الخارجي بالأسفار والمعايشة، والاستطلاع عبر وسائل الاتصالات والمعلومات، ولم يعد بمقدور أي مسؤول، مهما كانت ثقافته وإمكاناته الأدبية، أن يحصر مؤشرات أداء المقارنة مع دول مجاورة أو بتحديات وعقبات تواجه تنفيذ إستراتيجية أو خطة، والركون إلى مسببات التعطيل مهما بلغت وجاهتها.
جيل جديد يبحث عن إنجازات على أرض الواقع ولن يرضى أو لن يكون بالمقدور إقناعه إلا بالأفكار والحلول الإبداعية الجاذبة؛ وطننا بحجمه وموقعه وبمكونه وموروثه التاريخي والثقافي يحتضن كنوزاً من التنوع وطاقات بشرية هائلة، وحراكاً مؤسسياً ومجتمعياً يتطلع إلى بنية تحتية مؤهلة ومنتوجات تحاكي الدلالات والمعاني وقيادة المبادرات بالتنقيب والبحث عن القيمة والأبعاد الحضارية والإنسانية في مختلف مناطق المملكة، وتقديمها بأفكار وطرق مبتكرة، جاذبة للمتلقي والاستثمار والرعاية، ومن هنا تكتمل منظومة النجاح.
في موسم الإجازات السنوية، لو سافر خارج السعودية 20 في المئة (5.4 مليون) من إجمالي عدد السكان 27 مليوناً، فإن 21.6 مليون سيبحثون داخل الوطن عن أماكن للمتعة والراحة والترفيه والاستجمام، وعنوانها الكبير «السياحة الداخلية»، فأين هي؟
لنأخذ العاصمة الرياض مثالاً، عندما لا تسمح لك ظروف مالية، إجتماعية، عملية، بالسفر خارج المملكة، أو خارج الرياض، كيف هي الحال في العاصمة؟
رب الأسرة يُنادي هَيّا يا أولادي وبناتي، لنخرج إلى ربوع الرياض نُرَفّه على أنفسنا بعض الوقت، سنذهب إلى حدائق الملك عبدالله العالمية بالرياض، التي قالوا إنها ستستقبل الزوار في كانون الثاني (يناير) 2013 ونحن الآن في شهر تموز (يوليو)، سيكون من حظنا انحسار أعداد الزوار بعد مضي سبعة أشهر من استقبالها للناس.
ولكن الجو حار، كيف سنستمتع في الحديقة ودرجة الحرارة مرتفعة؟ لم أخبركم أن حدائق الملك عبدالله العالمية تُعد أكبر الحدائق المغطاة في العالم، لذلك كانت كلفة إنشائها بليون ريال، نعم «الغالي ثمنه فيه»، كما قال أجدادنا، وهذه الحدائق بها مطاعم ومقاهٍ ومكتبة للكبار مع صالة لعرض أفلام وثائقية وعلمية وتثقيفية ومكتبة للأطفال، وممرات وبحيرات مائية تُزينها أنواع الطيور، وصالات تزلج، كل ما يخطر على بالكم بهذه الحدائق العالمية التي كلفت الخزينة العامة مبالغ طائلة!
وصلنا بحمد الله، وبدأنا نلف وندور حول الموقع، هل ضللنا الطريق، وبعد قلق عابر توقفنا أمام لوحة حدائق الأحلام، صور جميلة على اللوحة، خلفها أرض جرداء، مساحتها مليونان ونصف المليون متر مربع، موقعها غرب مدينة الرياض، لا يوجد بها سوى أعمال بدائية في الحفر والدفن والتسوية!
رحلة بحث عن الحدائق العالمية، وعدونا بالتنزه فيها عام 2013، وإذا بأمين مدينة الرياض يقول قبل أشهر: إنه تمت ترسية المرحلة الثانية من مشروع حدائق الملك عبدالله العالمية بقيمة بلغت 369 مليون ريال، أي أن الأعوام الثلاثة الماضية ضاعت في الحفر والدفن والتسوية... «احفروا».
بّشر أمين مدينة الرياض المواطنين بمشروع عملاق آخر، حديقة على مساحة أربعة ملايين متر مربع قرب مطار الرياض القديم، إضافة إلى إنشاء حدائق في مخططات شمال الرياض، منها حديقة على مساحة 2.5 مليون متر مربع لتكون منتزهاً متكاملاً.
سبحان الله، ننتظر مشروع حدائق الملك عبدالله العالمية الذي أُعلن عنه عام 2010 وقالوا حياكم الله للتنزه فيها عام 2013، ونفاجأ أن الأرض لا تزال جرداء، ثم يأتي حديث الوعود عن إنشاء حدائق جديدة مساحتها 6.5 مليون متر مربع!
أرجوكم يا أمانة مدينة الرياض «هدّوا»، ضعنا وأُصبنا بالدوار مع ملايين الأمتار، وما حَصّلنا متراً لنجلس فيه مع عوائلنا جلسة مريحة ولائقة، السؤال الذي يثور مثل العافور؛ وزير الإسكان يصيح ما وجد أراضي لمشاريع الإسكان، وأمين مدينة الرياض – بعد جمع ملايين أمتار الحدائق الموعودة – وصلنا معه إلى نحو عشرة ملايين متر مربع حدائق؛ نبحث عن إجابة ما بين صيحة ووعود؟
رضخنا لسياحة «سوق» و«مطعم»، ليس في الرياض فقط بل في معظم مدن المملكة، وكم هو مؤلم ومثير للاستغراب لعاصمة كالرياض لا يتمتع سكانها بمراكز ترفيهية وحدائق عامة على طراز عالمي، تتوزع شرق وغرب، وشمال وجنوب ووسط المدينة.
... كم أنت قاسية يا مدننا السعودية!
نقلا عن صحيفة "الحياة"