.
.
.
.

الأئمة بين التشدد والفصل!

يوسف المحيميد

نشر في: آخر تحديث:

ليس أمراً سهلاً أن يتم فصل 3500 إمام من مناصبهم، خلال الفترة 2003 وحتى 2011 أي خلال ثماني سنوات، بمعنى أن هناك ما يقارب 36 إماماً يتم فصلهم شهرياً، حتى وإن كانت ليست كل الأسباب ترتبط بتشددهم كما يشير د. توفيق السديري وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون المساجد، حيث عدّد أسباباً أخرى، بالإضافة إلى التشدد، كالإهمال والتغيب، والممارسات الخاطئة، وعدم إتقان القراءة، رغم عدم قناعتي بالسبب الأخير، لأنه لا يمكن أن توافق الوزارة على تعيين أحد إلا بعد اختبار قدرته على التلاوة السليمة!
لا شك أن الأمور تغيرت كثيراً، فأئمة اليوم ليسوا هم أئمة الأمس، ففي السابق كان الإمام يعد جزءاً من الحي، وهو من أهل الحي فعلاً، ويعتمد عليه الجيران ليس في الإمامة فحسب، بل في إجراء الصلح بين المتخاصمين، ويحكم بينهم أحياناً، ويقوم بعقود الأنكحة، وهو نموذج التسامح والوقار، وفوق كل ذلك، لم يكن «المطوع» يحصل على أجر غالباً، فهو يقود الصفوف بسبب إيماني محض، وهو يخطب الجمعة لأن لديه ما يقوله للناس فعلاً، لا يستل الخطب من الكتب والخطب الجاهزة، أو أن يحرض المأمومين ويجيّشهم حول ما يحيط بهم!
هؤلاء الخطباء قديماً، لم يقسموا الناس إلى فسطاطين، كفر وإيمان، لم يصنفوا الناس إلى علمانيين وليبراليين وحداثيين، ولم يشغلوا المصلين بحروب وهمية مع أهاليهم وبيوتهم!
ولعل الفارق بين هؤلاء الأئمة في الزمن القديم، وبين المعاصرين، هو انتماء القدامى للحي، وللناس، وللجيران، واندماجهم الكامل في الحياة الاجتماعية، وحضور مناسبات الناس والجيران، بينما الأئمة المعاصرين، ومنذ الثمانينات انصرف معظمهم إلى دواخلهم، وخلقوا عزلتهم، وصنعوا دروسهم في المسجد كجماعة صغيرة، ولم يعد معظمهم كجزء من المشهد الحياتي اليومي!
وبالعودة إلى هؤلاء المفصولين، الذين تمت مناصحتهم، ومنحهم الفرصة تلو الفرصة، ولم يعودوا، ولم يرتدعوا، هم نتاج بيئة دراسية خصبة، شئنا أم أبينا، هذا النظام التعليمي، الذي نشأ معظمه على تيارات دينية متشددة، هو ما يفرز المتشددين والجهاديين، سواء كانوا أئمة مساجد أم غير ذلك.
إذا أردنا مجتمعاً متوازناً وسطياً، علينا أن نعيد النظر في التعليم من جذوره، سواء على مستوى المعلم أو المقررات والمناهج، كي يشعر التلميذ منذ مراحل مبكرة بأنه مجرد مواطن في منظومة وطن كبير، لا أن يحدد مصيره ضمن مسمى تيار فكري أو ديني، ويبدأ حروبه الصغيرة باكراً من بيته، وبيت عائلته، تحت وطأة شعور غريب ومشوّه، بأن أفراد عائلته هم أناس كافرون، ثم محاربتهم وإنكار ما هم فيه، بلسانه، ثم قلبه، وأخيراً يده!.
قد لا يفي الشكر حق هذه الوزارة علينا، وهي تتابع ما يحدث في المساجد، وتتخذ قراراتها بحزم، وليت جارتها وزارة التربية والتعليم تتنبه إلى ما يحدث في مدارسها من تلقين العقول الغضّة كل ما يجعلها وقودا للرفض والتشدد، ورفض الآخر!

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.