بلاغ من الأقمار الاصطناعية

محمد اليامي
محمد اليامي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الطرفة الطازجة التي يتداولها السعوديون ضمن سخريتهم من بعض السلوكيات السلبية المزمنة أن الأقمار الاصطناعية الخاصة بمتابعة الأحوال المناخية وتحركات السحب والمنخفضات الجوية رصدت كتلاً ضخمة داكنة اللون تتحرك خلال الأيام الماضية في مناطق مختلفة، فأرسلت بعض المراصد المتعاونة مع السعودية استفساراً إلى الجهات المعنية، فتم الرد عليهم بأن الأمور طبيعية وأن هذه الكتل ليست سوى مجموعات النساء تتحرك نحو الأسواق زرافات ووحداناً.

هذه «النكتة» من صميم الواقع، وعلى رغم ازدياد مستوى التعليم، والمفترض ازدياد التعمق في معاني المناسبات الدينية، ورمضان الكريم والعيد السعيد من ضمنها، فما زال السلوك الاستهلاكي يبعث على التساؤل عن هذا الكم الهائل من التسوق، على رغم أن المطلوب هو «لبسة» جديدة للعيد تبعث البهجة وتكون بمثابة إظهار النعمة التي يحب الله سبحانه وتعالى أن يرى أثرها على عبده إن وجدت، لكن هذه المبالغات كما يصفها أحد الأصدقاء الذي نجح في إخراج نفسه وعائلته من هذا النسق بإقناعهم بأن التسوق يتم طوال العام، وبإنهاء متطلباتهم قبل دخول رمضان أو خلال أيامه الأولى ليبتعدوا عن هذا الزخم المزعج الذي نراه في الشوارع والأسواق، هذه المبالغات يصفها صديقي بأنها إفراغ للمناسبات الدينية من روحها، والتمسك بتفاصيل ليست مهمة، تجعل الإرهاق الجسدي والمادي صنواً لهذه الأيام بدلاً من الروحانية وطلب العفو والعتق من النار.

الكلام أعلاه لا يبدو جديداً، وكثيرون تحدثوا حوله، وما أود إضافته هو أن طبيعة المحال والأسواق تغيرت، فمعظم الأسواق في غالب المدن سيطرت عليها الشركات والماركات العالمية بمختلف مستوياتها وأسعارها عبر شركات ومستثمرين سعوديين وعبر نظام الامتياز التجاري «الفرنشايز»، وهذه الشركات تعرض بضائعها موسمياً وتبعاً لفصول السنة، فهناك تشكيلة لكل فصل، وبالتالي فبضائعها تتغير مع تغير المناخ، وهنا أجد الغالبية من المتسوقات يتبعن نظرية قديمة مفادها أن هناك بضائع خاصة للعيد تنزل في الأيام الأخيرة، وهذا أصبح نادراً ندرة المحال المستقلة بالملابس والأزياء وبقية المستلزمات التي لا تتبع اسماً أو ماركة معروفة.

يبدو لي أن القضية نسق عجزت المتسوقات عن الخروج منه، وهو أن ليالي رمضان ارتبطت ذهنياً بالتسوق أو الوجود في الأسواق على أقل تقدير، ضمن ثقافة جماعية اختصت بها النساء، وبات الأمر سلوكاً معتاداً تتمسك به الكثيرات على رغم أنهن كثيرات الشكوى منه، الشكوى التي تمتد إلى أشياء أخرى مثل غلاء الأسعار، والزحام الشديد مرورياً وداخل الأسواق.

نجح القليلون في الخروج من ثقافة اتباع السائد، إما بالتسوق المعقول أو بتذكير النفس أن الشراء يتم طوال أيام العام، وهناك دوماً جديد متاح يلبس في العيد، والمضحك المبكي أن العيد يأتي وقد استهلك الجميع قواهم وطاقتهم فتجدهم في أول أيامه كمن يرتاح من سفر طويل صعب أو من معركة طويلة شرسة، فلا هم استمتعوا بما اشتروا، ولا هم تبسطوا في العيد وعاشوا نكهته ومعانيه الدينية والاجتماعية.


*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.