ست الحبايب
(.......... يسجل حضورا متواضعا هنا كل أسبوع أبعد ما يكون عن الصورة النمطية الضيقة الشائعة عنه.. التي ربما يصدقها هو عن نفسه أحيانا...!)
موسى هو آخر العنقود ومن يتمتع بامتياز الذكورة عرفا في أسرته، فيتبادر للأذهان حكم قطعي بأنه المدلل الأكبر وسند العائلة المرتقب.
الدلال الذي لم يعرف موسى يوما سوى نقيضه.
فمنذ نعومة أظفاره، كان مقررا من قبل والدته بأنه هو من عليه أن يعاني..!
انتهجت أسلوبا في التعامل معه عنوانه القسوة غير المبررة لطفل!
في الثانية عشرة من عمره، طاول مسمعه تقريع خالته لأمه مدافعة عنه: « اتق الله !!»
دفاع انقلب عليه كابوسا، لكن بقي صوت خالته يتردد كالصدى، تجود به ذاكرته عليه، كلما أراد السكون لمواساة.
يحاول أن يعتصر هذه الذاكرة قبل أن يغفو عسى أن تومض له بذكرى يهدهد نفسه بها، كيوم تذكرته والدته فيه بهدية، أو بكلمة طيبة تحمل بعض الرضا، لكن سرعان ما تشوش عليه حقيقة أنها كانت مراوغات للتلذذ بمزيد من إيذائه...!
كانت لها ابتسامة في نهاية قهقهتها على أمر ما، تتلاشى تدريجيا وتتحول لنظرة ازدراء حين تحط على وجهه!
نشأ موسى بعينين بوحهما انكسار وحيرة.
وجه قبيح لشخص بليد مذنب هو ما تعكسه له مرآته، هكذا تمت تغذيته بقيادة حاضنة رحم أنجبه!
في مراهقته حاول مرات أن يعبر عن استيائه، وجاء غضبه بصوت متهدج لوام، والنتيجة أن أمه لم تنس له تلك المحاولات، حتى اليوم.
شكواها عادة تطال كل من له علاقة بالعائلة، تحشدهم عليه لينضموا لحلف الازدراء.
الكذب والافتراء الذي تحترف المبالغة فيه وتصديقه، أدخله في دوامة تأنيب ضمير مربكة تتناهشه.
كان هو بدوره أيضا يكذب، على مدرس الإنشاء، فيكتب كلمات حب، وشعر امتنان، في طيبة عطاء معذبته. بينما يشكك في مدرس الدين وهو ينظر عن قدسية مكانة الأم وبركة دعائها، فمن يعرفها لا تتورع عن الدعاء عليه وكأنه متطفل على هذه الحياة، لفظه رحمها عنوة.
أما أحلام يقظته، فأمه فيها حنونة، لها ملامح والدة صديق له يغبطه!
لم يشعر بنسائم هدوء تلاطفه حتى خرج من غربة بيته للدراسة الجامعية.
زياراته لمنزل العائلة خفت تدريجيا على أنغام اسطوانة التنكيل المستمرة وصولا للقطيعة.
نجح في عمله مستقلا، مغيبا والدته عن أي معلومة عادية عنه يمكن أن تستغلها للنيل منه.
وبطاقة عطاء كبيرة نهض، هدفه كسر قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه. قادر على تخطي أعتى العقبات، فما الذي يمكن أن يؤذيه أكثر؟ بعد حكاية نبذ، قضى حياته يصارع براثنه.
وعلى الرغم من غربلة مسلماته حول آخر المقدسات، وشعوره بنوع من اليتم لا يفهمه فيه حتى اليتيم، سيتحدى ذاته ويغفر، عسى أن ينصف طفلا بداخله لا يزال تائها يتوق لدفء مشاعر ربما يجدها عند الغريب.
أما من أسر لهم عن معاناته، أغلبهم سارع لاتهامه جهلا بالعقوق.
تلك التهمة الجاهزة على القابعين في معتقلات أمومية مريضة، في مجتمع يعيش حالة إنكار رهيبة للأمراض النفسية التي تجتاحه.
--------------------------
* حالة الأم هنا تدعى علميا بـ Narcissistic Mother، وهي سيدة تختار المميز من أطفالها ليكون كبش الفداء لمرضها. أهم أعراضه الإنكار والأعذار السطحية لتبرير القسوة والعدوانية وكثرة النقد المتقصد والافتراء والمكر والتشهير ووضع الابن في حالة قلق لا يتوجب أن ينتهي كون قلقه هو المسكن الوحيد لقلها.
*نقلا عن "عكاظ" السعودية