الصورة المتداولة لـ«قبلة اليد»!
تصدرت صورة تقبيل يد داعية سعودي مشهور شباك الصور الأكثر رواجاً وتداولاً طوال الأيام الماضية، القبلة غارقة في الإعجاب وتقدم لسيل جارف من الامتنان، ولا يعنيني شيء من هذا ولا ذاك قدر أن زاوية تقديس الأشخاص تجاوزت لدينا قدسية المبادئ، وهذا ما يجعلنا في مأزق العودة المستمرة إلى الخلف والإيمان بحقيقة تسليم عقولنا بالمجان وطواعية ومن دون أدنى محاولة لتفكيك أي طرح أو خطاب للإنسان الذي نمنحه ثوب تقديس اجتماعي تحت غطاء ديني ونعلنه أباً روحياً وفارس أي رهان محتمل.
تقبيل اليد فعل لا أستسيغه ولا أشرع إشاعته ولا استسهال تنفيذه، مشهد صورة قبلة اليد يجر وراءه سؤالين بريئين وجديرين أن نسمع إجابتهما من فم الجيل السابق والجيل الحالي ليكتمل مفهوم القبلة اليدوية: من الذي يستحق أن تقبل يده؟ ولماذا؟ ولا أنسى أن أشير إلى أن المذاهب الفقهية تنوعت وتوزعت بين مجيز ومانع لقبلة اليد، فكل مذهب له قراءته المستقلة المحفوفة بمجريات الزمان والمكان. ولمحبي قراءة ربع الكلمة وعشاق التأويل والرافضين لمجرد نقاش الفكرة، ليس لأنها لا تستحق بل لأن المعني يستحق برأيهم إلا أن قبلة اليد التي تثير الجدل تستحق أن نقف عندها ولو من باب المشاكسة وإلغاء فكرة القبل القادمة، ولو أن القبلة اليدوية حدثت خارج محيط الفعل الدعوي لتحدثوا عن حقيقة أنها مذمومة ومكروهة وغير مستساغة وهاجموا المرسل والمستقبل، فالمزاج المخلوط بالحب المتجذر يطغى على حضورنا العقلي لحظتها ويتحدث بالنيابة.
تروي الأحاديث التاريخية أن رجلاً دخل على هشام بن عبدالملك فقبل يده فقال: «أف له.. إن العرب ما قبلت الأيدي إلا هلوعاً ولا فعلته العجم إلا خضوعاً»، واستأذن رجل المأمون في تقبيل يده فقال له: «إن قبلة اليد من المسلم ذلة ومن الذمي خديعة ولا حاجة بك أن تذل ولا بنا أن نخدع»، واستأذن أبودلامة الشاعر المهدي في تقبيل يده فقال: «أما هذه فدعها».
قال: «ما منعت عيالي شيئاً أيسر فقداً عليهم من هذه»، وقال هارون الرشيد لمعن بن زائدة: «كيف زمانك يا معن»، قال: «يا أمير المؤمنين أنت الزمان فإن أصلحت صلح الزمان وإن فسدت فسد الزمان»، ولكم أن تعرفوا أن الضبابية تدور حول قبلة اليد من الكبير للكبير، قبلة الضعف أو التقديس وحتى الخداع، أما مشاريع قُبَل الصغار للكبار فقد تدخل في إطار التلقين المنزلي للاحترام وضمن لوازم الأدب والتربية التي نمارسها بلا سقف علوي ولا سفلي. قبلات اليد التي تُفْتَح برفقتها الأسئلة وتنمو التوقعات هي القبلات التي يجب أن تتوقف وتمنع وتثير التهكم والسخرية، لأن النفس الحرة تأباها وترفضها، ولا أجد لها باباً غير أنها تشكل فريقاً للضعفاء المستسلمين وآخر للسعداء المنتصرين وتشرعها من بوابةٍ رموزها لا حصر لهم.
نقلا عن صحيفة "الحياة"