.
.
.
.

العقلية المحلية

عبد الله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

أتذكر قبل سنوات في بيتنا الطين كنا نلعب كورة في بطن المنزل. نفرق، بمعنى أن نقسم أنفسنا إلى فريقين ونضع أبواباً ونطلق على أنفسنا أسماء الفرق الشهيرة. كان عددنا يصل إلى ستة لاعبين. كيف تتخيل مساحة بيت كهذا. علق في ذهني في طفولتي أن بيتنا قصر ولكن بعد أن داهمتنا الحياة الحديثة تبين لي أن مساحة ذلك البيت العظيم لا تتعدى مئة متر مربع. لم نكن نشعر بالضيق. كان الشارع الواقع أمام بيتنا لا يزيد عرضه عن خمسة أمتار والكل يعرف الكل. عالم متكامل يحيل إلى بعضه بعضا دون تدخل من عوالم أخرى إلا بالسماع. من هنا تصنع المقاييس.

هذا النظام البسيط يتحول إلى نظام كوني تحكم به على العالم من حولك. فما تراه صحا في هذا العالم يجب أن يكون صحا في أي عالم تخرج إليه وما تراه أخلاقيا في نظامك هذا سوف يكون معيارك لقياس أخلاق الآخرين. من هذه النقطة إذا فمهتها بالصورة التي أقصدها تنطلق العنصريات والتعصبات وكل أشكال العزلة والكراهية. يكون وجدانك غير مدرب على التفهم. غير مدرب على تفهم أن الآخرين أيضا انطلقوا من عزلة شبيهة بالعزلة التي جئت منها. تلاحظ هذا الفرق بين أبناء المدينة وأبناء القرية. يختلف ابن القرية عن ابن المدينة حتى في المنطق. كما نعرف ومن باب التبسيط أن المنطق هو (واحد زائد واحد يساوي اثنين لا يمكن أن يساوي ثلاثة أو أربعة).

هذه القاعدة على بساطتها ومنطقيتها ليس مطردة على كل الأشياء. كل منطق يقوم على حجم الخبرة والمعلومات. على سبيل المثال. لو جاء قروي صرف إلى مدينة بسيارته لن يتفهم معنى قواعد المرور. في قريته كان يصل إلى بيته بطريق مستقيمة لا يحتاج إلى إشارات المرور او الخطوط المنظمة أو غيرها من التعقيدات الأخرى. هو على منطق ولكنه منطق ناقص لأنه يفتقر إلى التجربة. تجربة التزاحم والحوادث وغيرها.

نلاحظ هنا أننا أمام منطقين مختلفين وكلاهما صح في إطاره وفي حدود ثقافة أصحابه. تبدأ المأساة عندما تصدم الثقافتان. الثقافة البسيطة القائمة على مجموعة متواضعة من المثل والثقافة المعقدة المشحونة بالتجربة. تلاحظ هذا عندما تأخذ شاباً سعودياً بسيطاً حصرت حياته في قائمتين أخلاقيتين القائمة الأولى تزوده بالصح في الدنيا والقائمة الثانية الخطأ في الدنيا ثم تضعه في لندن أو باريس.

لن يفهم ما يدور حوله وسيتحول هذا العالم الكبير إلى عالم معاد. لن يجد في أي من معاييره ما يصلح للتطبيق هنا. وفي أفضل الأحوال يجب تعديلها وتحويرها وإضفاء المرونة على بعضها لعلها تستقيم مع المنطق الجديد. مناصبة العالم الآخر العداء لا تقوم دائما على أسس سليمة أو مبادئ حقيقية بقدر من يقوم على الجهل بالعالم الآخر أو الخوف منه أو ضيق الأفق، وهذا الأخير هو أكثر ما نعاني منه كثيراً.

نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.