.
.
.
.

السعودية تحصِّن مصر: الملك عبدالله إذا قال فعل

جاسر الجاسر

نشر في: آخر تحديث:

في مصر ظاهرة حيوية وانتعاش وثقة منذ لحظة بث خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي يدعم مصر ويساندها كلياً في مواجهة الإرهاب. إلى ظهر الجمعة كانت تسود الإعلام المصري حالة من الحيرة والصدمة وهو يشهد الضربات المتوالية التي تدين الحكومة المصرية في حربها على الإرهاب وتحاصرها في زاوية حرجة. كانت الصدمة المصرية مبررة ومفهومة لأنه لا مصري مخلصاً كان يتوقع هجمة من هذا النوع. ولم يسبق لمصر أن شعرت أنها معزولة ومستهدفة بشكل قصدي مثل هذه الحالة. كانت الحكومة المصرية الجديدة مرتبكة وحائرة وشبه صامتة أمام سيل الحملات العدائية إلى أن جاء خطاب الملك عبدالله معلناً موقفاً صريحاً وصارماً لا تهاون فيه ولا تراخي يؤكد أن السعودية إلى جانب مصر كتفاً بكتف ويداً بيد؛ لتسري في المشهد المصري حالة انتعاش وصحوة، وكأن تلك الكلمات التاريخية أيقظت الجميع من سباتهم ليعود التوازن والثقة واليقين بصواب المسيرة لتنتعش الدبلوماسية المصرية في سلسلة من المؤتمرات الممتلئة طمأنينة والمتحررة من حالة العزلة بعد أن تيقنت أنها ليست وحيدة ومعزولة. تلك الكلمات لم تنعش مصر فقط بل شيدت حاجزاً متيناً لصد المواقف الضدية المتحاملة على مصر والساعية لنشر الاضطراب والفتنة فيها.
لم تكن كلمات الملك لغة عاطفية بل كانت موقفاً تاريخياً ارتبط بالفعل، فكانت زيارة الأمير سعود الفيصل لباريس مدافعاً عن مصر وحاملاً صوتها في بادرة فريدة في التاريخ تزيح أي لبس في جدية السعودية في موقفها الحازم من مصر، وأنها لن تقبل مساساً بهذا البلد الرفيع والعريق، وأن الضرر به ضرر للعروبة والإسلام، كما أكدت أن كرامة مصر من كرامتها، وأن الصف العربي الإسلامي لا يشذ عنه إلا مخالف يستهدف العروبة والإسلام ويشجع الإرهاب ويدعمه حتى يكون شريكاً فيه إن لم يكن صانعاً له وموقداً لنيرانه كما جاءت كلمات الملك.
يقول الفريق السيسي ، أمس الأول، إن موقف خادم الحرمين أقوى موقف منذ عام 1973 وهو حقاً يبرهن أن السعودية في مبادئها لا تبدل قولها ولا تغير مبادئها حسب الظروف والأحوال، وأن صلابتها لا تختل مهما كان الموقف صعبا والوضع موحشا.
إن 16 أغسطس سيكون من العلامات الفارقة في تاريخ مصر؛ لأن كلمة الحق والثبات التي أطلقها الملك عبدالله استقطبت في ساعات دعوات ترحيب متوالية وأجهضت كل الأصوات المضادة ما عدا محاولات صغيرة تتدانى دون عظمة الكبار وحضورهم التاريخي الذي يبقى بصمة يتوقف عندها التاريخ ويتشكل منها مستقبل آمن ليس لمصر وحدها بل للمجتمع الإسلامي كله.
بعد كلمة الملك بأقل من ساعة كانت أعلام القاعدة ترفرف في ميدان رمسيس مؤكدة حقيقة فهم الملك وإدراكه الجلي والدقيق لنوع الإرهاب الذي يستهدف مصر مشتملاً على جميع الخلايا والجماعات المتطرفة والإرهابية التي استوطنت مصر خلال عام، وبدأت تزرع كوادرها في أرضها الطيبة ولو طال الصمت عن ما يحدث في مصر لكان لنبتها سقيا شيطانية تحرق مصر والعالم العربي أجمع.
الموقف السعودي هو صفعة للإرهاب كما أكده عدد من الكتاب المصريين، وضربة قوية لمحاولات إحيائه عبر الموقف الأمريكي والأوروبي الذي داهن خشية ظهور نشاطات إرهابية عبر الإخوان والجماعات الجهادية المتصلة بهم.
السعودية رهنت كل شيء من أجل مصر؛ لأن المبادئ لا تقبل القسمة، ولأن المواقف الأصلية لا تحتمل التعدد، ولأن الصدق ليس له سوى لسان واحد إن قال فعل، وإذا اختار درباً مضى فيه إلى نهايته، وهاهي المملكة تمضي بقوة وصلابة مؤكدة أنها لن تسمح للإرهاب أن يعود ولن تقبل لمصر أن تكون ساحة له ولن تصمت عن الراغبين في ذلك والساعين له.
مصر ستستعيد عافيتها وستعبر إلى بر الأمان فاليد السعودية ومعها الأيدي المخلصة التي استجابت لدعوة الملك ورسالته القوية سترسم بنياناً مرصوصاً يحصن مصر من كل ضرر، ويحصن معها العالم العربي ليبني صورة جديدة تسعى لنبذ الإرهاب من تفاصيلها بعد أن استبانت ملامحه جيدا، وتكشفت صوره المتسترة سابقا، وانفضحت ملامح التلون والمخاتلة فيه لتصبح الصورة جلية وواضحة والمحجة فاصلة وظاهرة.

*نقلا عن "الشرق" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.