المقاعد الشاغرة: ١٠٠ ألف!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

كنا نشحذ في زمن مضى مقعداً جامعياً واحداً، وها نحن نحتفل هذا العام بـ100 ألف مقعد جامعي شاغر، وهذا بحد ذاته منجز يستحق لفت الانتباه وأن نقول بشجاعة إن أزمة المقاعد الجامعية انتهت ولن نسحبها يوماً قادماً إلى طاولات النقاش وملفاتها الموسمية، ولن تكون همنا الجاثم على القلب مع كل موسم صيف.

عدد المقاعد الشاغرة لم أحضره إلى هنا من عملية حسابية طائشة أو تنبؤ عابر عاجل، بل هو قادم من فم وزارة التعليم العالي قبل أمس. هذه المقاعد تتوزع في ٢٥ جامعة حكومية تتمدد بكل فخر على جل الخريطة الوطنية. الأرقام تمنحنا حداً موقتاً من الاطمئنان، وتجعلنا نلتزم الصمت والهدوء، إنما عند هذا الرقم تحديداً أشعر بأن مفردة التخطيط لدينا تنام طويلاً وتستيقظ فجأة، وعندما تستيقظ فهي تسير بسرعة هائلة، وتقدم لنا المباني والأرقام والمقاعد والأضواء، وشيئاً من الأصوات التي لا تطل إلا في مواسم الفرح. بقدر ما أحمل تفاؤلاً على أن تمكنت وزارة التعليم العالي في غمضة عين من الوصول بمقاعد الجامعات لهذا السقف الشاغر الفاخر، بقدر ما تمنيت أن أعرف التخصصات التي تنتمي لها هذه المقاعد الشاغرة، وهل هي من التخصصات التي تتقاطع مع السوق الحالية والمستقبلية؟ أم أنها من التخصصات التي يكون أحسن ما يتناوله الطالب الجامعي منها المكافأة الرمزية؟ أم هي تلك التخصصات المانحة لشهادة جامعية يضعها صاحبها في غرفة نومه واثقاً من أن بقاءها هناك سيكون بحجم بقائه في ذات الغرفة باكياً شاكياً صديقاً للملل والكآبة؟

ما أعرفه على رغم هذه الشواغر هو أن الطالب الجامعي يوضع بين خيارات قبول لا يجد نفسه منتمياً لواحد منها، ولكن المتوافر يقول هكذا، فينضم مغمض العينين، وإن كان قبول ما يتجاوز الـ٢٧٦ ألف طالب وطالبة تم بهذه الطريقة ولو بنسبة ضئيلة، فلا يحق لنا أن نتباهى بالشواغر الحقيقية الوجود، لأنها شكلية المضمون.

ما يؤرقني ليس الآن، بل أين سيذهب المقبولون الجدد بعد أعوام الدراسة الجامعية؟ وهل تكون الأمنيات لحظتها سيدة الحلول؟ هل هذا الرقم الشاغر الكبير من المقاعد والذي يمثل ثلث خريجي الثانوية تقريباً نتج من درس حقيقي وإحصاءات تستشرف المستقبل وتقرأ الحاضر؟ أخشى أن تكون الخطط المدروسة ذهبت للتوقع الخاطئ والحسبة المتسرعة المستحيلة، وهي أن على وزارة التعليم العالي توفير مقعد جامعي لكل طالب ثانوي، وفي هذا نسيان للراغبين في الكليات العسكرية والقادرين على تجربة الجامعات الأهلية ونسيان الرغبات الأخرى.

شكراً لوزارة التعليم العالي على الرقم الإيجابي والمتفائل، لكني متخوف من مستقبل يجهله المقبولون الحاليون، في ظل أنني أحلم بمعرفة نسبة الرضا بين المقبولين في جامعاتنا هذا العام، وهل توافر مقعدهم الجامعي عن رغبة أم لأنه الشاغر، كي لا نعود لوجع سطر سابق يتساءل عن ماهية التخصصات الشاغرة؟

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.