.
.
.
.

من ضيق الأيديولوجيا.. إلى سعة العقلانية!

تركي الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

علّمتنا الأخلاق بجوهرها، والإنسانية بقدسيتها أن لا أحد يفرح لنزيف دم إنسان مهما كان. بدأت الأحداث الأخيرة على أساس الأحلام بأن تزدهر المدن وتورق الكروم وتخضر الأرض وتربو على البذرة فتنبت الفسائل على وقع الخصوبة. لكن ما مر بنا من أحداثٍ حتى الآن تثبت أن اللغة لم تكن لغة التنمية.

حاولت الأمم الاستفادة من هذه الأحداث لحلب الدول وأخذ أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب، بل دق بعض المحللين طبول عودة الحرب الباردة بين الأميركيين والروس، على اعتبار أن الذي يجري الآن هو معركة كسر عظم بين هذين القطبين الكبيرين واللذين يؤثران في الأحداث بشكلٍ كبير وبخاصةٍ في الملف السوري والأزمة المصرية، لم تحضر التنمية حتى الآن بسبب التأزيم المتواصل والمتناسل.

لن أدخل في تفاصيل الحدث اليومي أو حدث الأمس أو ما يمكن أن يحدث في الغد، هذه تفاصيل تحتاج إلى كتاباتٍ طويلة، لكن أود أن أشير بالعموم إلى أن ما جرى في مصر وليبيا وتونس وسورية هو أمر بعيد عن عمق المراد وعن أساس الحلم.

الناخب انخدع بالأصولية ومن ثم راح ينتخبها على حساب الشخصيات المنتجة والمدنية التي كانت مرشحةً لأن تبدأ عهد الحلم بدلاً من دماء الواقع التي تعاش حالياً. لعبة السياسة كانت أكبر من اللازم، لهذا سحرت الأصوليين فلم يتخلوا عن السلطة ولو على "دمائهم" كما قالوا، لم يلعن أحد الشيطان فحضر محرضاً على القتل والسلاح كما نرى في أكثر من بلد.

نتذكر تلك الأغنيات الثورية التي تعتبر زوال نظامٍ ما بداية فعلية للتنمية والحرية والكرامة والغنى، غير أن تلك الأغنيات انتهت بانتهاء العرس، راحت السكرة وجاءت الفكرة كما يقال، انتهى التظاهر وانفض السامر، ورجع كل إلى مصلحته الشخصية فأحرقت السفارات وانتشر السلاح بالآلاف، وها هي الأحداث تتوالى بشكل درامي غريب يبعث على الحزن، والقتل على أشده، وبعد أن كان منحصراً بمكانٍ واحد امتد لأكثر من مكان ففي كل وادٍ بنو سعد.

*بآخر السطر، التنمية التي ننادي بها ليست مستحيلة لكنها تحتاج إلى العقل لا إلى العاطفة، وإذا كنا نتغنى بنماذج ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية فلنعلم أن هذه الدول حركتها الكثير من العقلانية والقليل من الأيديولوجيا الصبيانية. فهل نتمكن من تجاوز الأيديولوجيا الضيقة إلى سعة العقلانية؟!

نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.