قل.. ولا تقل

سوزان المشهدي
سوزان المشهدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

رحل عنا ماجد بعد معاناة طويلة خاضها هو وأخته معاً طمعاً في علاج على أرض وطنه الذي كان من المفترض أن يتحسس معاناته قبل أن يناشد أو أن يشتكي وقبل أن يصدر له أمر علاجي في مستشفيات الخارج ولا ينفذ! لأن لا تقصير في حقه ولأن الإجراءات كانت تسير على قدم وساق مدة عام! ولأنهم لم يجدوا له طائرة إخلاء طبي تتحمل وزنه الذي تعب هو من حمله.. على رغم أن الطائرة حضرت على وجه السرعة بعد وفاته بأيام وربما بساعات قلائل لنقل أخته رنا!

وجد المسؤول أو المسؤولون وقتاً وطائرة لحل الأزمة بعد رحيل ماجد.. لا أجد تعليقاً يليق. لو وُجد منسق في كل مستشفى عمله الوحيد خدمة هؤلاء وتلمس حاجاتهم وتذليل المصاعب لهم ورفع طلباتهم بالعلاج ومتابعتها، حتى لا تغفو في أدارج المسؤولين الذين لو كانت الحالة قريبته أو قريبه أو جاء ببطاقة توصية لخلق على الفور فرص علاجية له من دون مناشدة أو تدخل إعلامي أو نشر صور المرضى على الصحف ومن دون زيادة معاناتهم. لا أعلم متى تنتهي هذه الظاهرة المخجلة التي أرجو أن يكون حلها «ليس في منع الصحف من نشرها» إنما في تلمس حالها قبل حتى أن تطلب. هل يجب أن يسن قانون نعاقب فيه كل من ائتمنته الدولة على خدمة المواطنين ونامت صرخاتهم فوق مكتبه أو بين ثنايا أدراجه الفخمة؟

نشرت مواقع التواصل الاجتماعي لافتة تعريفية للألفاظ المهذبة التي يجب أن تطلق على المعوق على الطريقة التالية: «لا تقل معوق.. قل صاحب احتياجات خاصة»، وهي جملة رائعة أشجعها وأدعمها من أعماق قلبي وعقلي وضميري ووعي.. أو ما تبقى منه. ما لفت نظري هو ما ذيل بآخر اللافتة الإرشادية «التوعية بحقوق المعوقين»!

بالمناسبة كنت مع ابنتي في السوبر ماركت قبل أيام عدة فوجئت بها ووجهها قد تغير لونه ودموع كثيرة تحتبس داخل مقلتيها.. هرعت نحوها لأعرف سر التغير المفاجئ في شكلها فأومأت إليّ برأسها بإشارة خفيفة انظري خلفي.. فنظرت ورأيت فعلاً ما أربكني وغيّر من شكل مسائي الذي كان لطيفاً في بدايته.. شاهدت رجلاً يعاني من قصر القامة وهو يمسك بعربة ضخمة بالنسبة له ويدفعها بصعوبة بين ممرات السوبر ماركت، لا أعلم حتى اللحظة ما انتهت به رحلته التسويقية، هل قام بشراء حاجاته من على الأرفف العالية أم اكتفي بالتحسر على نفسه ومغادرة المكان.. احترت أنا وهي في الطريقة المثلى لمساعدته هل نتقدم ونسأله هل تحتاج إلى مساعدة؟ هل أستطيع جلب شيء لك من على الأرفف؟ هل ما سنفعله سيجرح مشاعره أم سيسعده ويساعده؟ آثرنا المغادرة وسؤال عميق يغلف عقولنا كيف يشتري هذا الرجل وأمثاله؟ وماذا فعلنا له كمجتمع لتسهيل حياته؟ ألا يجب أن نعترف بوجود فئة قصار القامة بيننا؟ أليس لهم حقوق مثلنا تماماً؟ أين العربات التي يمكن أن تسهل حياتهم؟ أين الأرفف المنخفضة التي يجب أن تكون في كل مكان لهم؟ استغرقنا وقتاً طويلاً ونحن نحاول وضع حلول لمثل هذا المشهد المؤلم الذي أثر فينا. ابنتي اقترحت أن يكون لهم سوبر ماركت خاص بهم يتوفر في عدة مناطق معروفة، واقترحت أنا فكرة «الدمج» بأن تكون لهم أرفف منخفضة وعربات تسوق مناسبة لهم حتى لا يشعروا بالانعزال وأنهم غرباء في وطنهم. وسأكون أكثر من سعيدة لو تبنت إحدى الشركات هذه الأفكار لتكون رائدة في هذا المجال، وآمل بأن يندرج تحت كل ما سبق شركات الطيران بتخصيص مقاعد خاصة على أن يكون هناك كاونتر في كل مطار يعمل به من هو في مثل ظروفه.

في إحدى الدول المتحضرة التي تعيش مثلنا على الأرض، رأيت في كل سوبر ماركت عربات تسوق كهربائية لكبار السن أو لأصحاب الحاجات الخاصة، عربات مشحونة طوال الوقت استعداداً لحضور أحدهم إيماناً بحقه في التسوق من دون جهد. أختم بالقول إن رب العالمين يحب هؤلاء لذلك امتحنهم في الدنيا بسمنة مفرطة أو بقصر قامة أو بفقد البصر، وواجبنا كمجتمع أن نسهل عليهم حياتهم بأن نتلمس حاجاتهم وليس هناك أفضل من الاستماع إليهم في لقاء مفتوح وعلني ومنقول على القنوات لنعرف ماذا يريدون ونسمع معاناتهم لا لنجرب الكرسي ونتصور فوقه وننسى أو نتناسى أن نعمل بجد لتذليل عقبات حياتهم ودمجهم في مجتمع ينظر إليهم على أنهم مواطنون حقيقيون ينبغي دمجهم بيننا بكل رقي وحضارة ومن دون مناشدات.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.