.
.
.
.

ابني إرهابي

عائشة عباس نتو

نشر في: آخر تحديث:

هذه قصة تحمل حنان الأم، تفوح منها رائحة خوف وعطف، وأنت تسمعها كأنك تسمع صوت أمهات أبنائنا المُغرَّر بهم، التي أحدثت جرحًا نازفًا وألمًا موغلًا في قلوبهن، الألم يجرّك كنجّار ينزع مسمارًا ليُدخله في ثقبٍ آخر.. قصّة خنقت دمعتي في محاجري؛ تبحث عن هواء الحياة، مؤلمة ولكن نهايتها جميلة كشعاع مغسول بمياه الأمطار، فيها آلام كبيرة وسعادات صغيرة ونشوة ضوء أبيض.. ظلم وتغرير بعقول شباب، بلقاء حور عين، عن طريق صناعة الموت.
تتنهّد أم الشاب المُغرَّر به وتحكي قصة ابنها فتقول: مثلي مثل أي أم.. فرحتُ بقرار ابني الوحيد بأنه سيُؤدِّي فريضة الحج، لكن المفاجأة أن ابني أثناء أداء المناسك تعرّض لغسيل مخ ممَّن نصّب نفسه داعيًا للجهاد، غيّبوا فكره، ولوّثوا دماغه، واستغلّوا صِغر سنه لتنفيذ أجندتهم، لبث سمومهم تحت إطار الجهاد.
تتابع: فجأة تحوّل ابني إلى إرهابي يُفكِّر في الموت. وأن السعي في الأرض لا قيمة له عند الله، تخلّص من كل أنواع الرفاهية، وتردَّد كل فجرٍ على حلقات تحثّه على الجهاد والموت.
وفي مشهد غارق من الدراما الإنسانية تشهق تلك الأم وتقول: بدأ الخوف والفزع يساورنا من تصرفات ابننا، ووسائل إعلامنا تتصدرها قوائم الشباب "المطلوبين".. أتصفّح وجوه الشباب، وفي كل صورة أجد صورة ابني بين الوجوه الشابة. وما يُحزننا الآن أنهم يتصدّرون بعض القنوات الفضائية والمواقع الاجتماعية ويتباهون بأعداد التابعين لهم.
تُكمل الأم: لقد بذلنا أنا وأسرتي مجهودًا كبيرًا في توضيح مفاهيم عمارة الأرض، وإفشاء السلام وحب الوطن والمواطنة، حتى عاد ابننا إلى صوابه.. لكنها تستدرك بقولها: لكن ماذا عن أبنائنا الآخرين؟!
إن قصة الشاب ستظل ولفترة طويلة وثيقة نفسية حيّة لكيفية تعاملنا مع الإرهاب وذويهم، مع واقع أليم لا يعرف الرحمة اسمه «صناعة الموت».
في النهاية أودُّ الإشارة إلى إجابة لسؤال: وماذا بعد؟! تستدعي منّا أفرادًا ومنشآت تربوية، ومؤسسات اجتماعية رفع درجة الوعي لأبنائنا، ومواجهة الفكر بالفكر، وغرس المواطنة بالأفعال وليس بالأقوال، وواجبنا أن نعي أن من يقومون بالتغرير بأبنائنا بتلك المحاولات الغاشمة ليسوا عقلاء، وليسوا بأُناس صحيحي الإسلام، وإنما جُهّال بالدين، والإسلام منهم ومن وعظهم براء.

*نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.