أنت كالدلو
لو نقتفي صحف التاريخ القديم نسألها عن مقومات العيش لوجدنا كل الحضارات أو أكثرها كانت قريبة من الأنهار، وحتى الآن نجد الناس يميلون إلى الاقتراب من أنهار وجداول وغزارة آبار كما كان الآباء .
وعجزتُ عن أن أُعلل وجود مدن تتسع بالأيام والساعات بعيدة كل البعد عن مصدر الحياة العادية (الماء).. (وجعلنا من الماء كل شيء حي). قراءات في حضارات النيل والرافدين، من سياق العبارة نقرأ أن الأنهار كانت عماد نشوء تلك الحضارات.
هذا تاريخ، وربما وجدنا الجدل والمعارض والمتفق. لكن التفكير يظل كيف نشأت عندنا الأبراج والقصور والاستراحات العريضة والمزارع ونحن نفتقر لكل قطرة؟
ومن توابع هذا الشح أو تداعياته أننا صرنا نسمع (الصّوَعْ والرّوَعْ) وهي عبارة شعبية تنذر بتكاثر الخوف. فما أكثر ما قرأنا في الجرائد بأن "الحرب القادمة ستشتعل بسبب المياه". وأن "السد الفلاني أوجد أزمة متصاعدة بين هذا البلد وذاك..
وقد ساهمت عوامل الموقع والمناخ في أن تكون شبه الجزيرة العربية قاحلة، باستثناء السلاسل الجبلية الساحلية، وبصفة عامة لا يوجد في الجزيرة كلها نهر جارٍ، وإنما يقتصر الأمر على السيول التي تسببها الأمطار الساقطة على السلاسل الجبلية، والتي تتسرب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية والجوفية.
واتفق أهل العلوم الأرضية على أن المياه السطحية، وهي تجمعات مائية غير ذات قيمة اقتصادية كبرى، منها العيون ومجاري السيول الناتجة عن الأمطار الشتوية ومياه الأمطار، التي تسقط في فصل الشتاء. لا يمكن بناء توقعات علمية واقتصادية عليها كذلك المياه الجوفية، والتي يتفاوت معدلها من منطقة لأخرى.
ودخلتُ مؤسسات ومستشفيات في مدينة الرياض أُصدقكم القول بأنني تهتُ في دهاليزها وممراتها وارتفاع أدوارها، وكل شيء موفّر– والحمدلله– من زخارف وألمنيوم وكاميرات رقابة وأجهزة رؤية ليلية وحاسبات، إلا الماء .. ، فإذا وصلت إلى خارج المبنى (بالسلامة) لا تخطئ عينيك صفوف صهاريج تنتظر دورها لإفراغ شحنتها لهذا المبنى .
عندي أن تلك الصهاريج أحب شيء إلى قاطني تلك "الأهرام" أو الأبراج، لأنها تضخ الحياة. كما كان الدلو عند أجدادنا، قيمته توازي أثمن ما بيد الإنسان.
وقد وصفوا الرجل الكريم ب – " الدلو " : -
أنت كالدلو لاعدمناك دلواً
من كبار الدلاء كثير الذَّنوبِ
*نقلا عن "الرياض" السعودية.