.
.
.
.

"طابور يا ولد"!

صالح الشيحي

نشر في: آخر تحديث:

يقول حينما كنت طفلا في المرحلة الابتدائية، كنت أجد معاناة في الشراء من المقصف المدرسي.. المال وحده لم يكن يصنع لي شيئاً.. كانت المسألة تحكمها، وتتحكم بها العضلات في بعض الأحيان.. لم نكن نعرف "الطابور".. كنا نسمعه على لسان المعلم من بعيد "طابور يا ولد".. لكن لا نعرف ماذا يعني لنا، وما الذي سنجني منه.. يقول: كبرت.. وتزوجت، ورزقني الله بطفل.. وحينما دخل المدرسة، ذهبت لكي أزوره.. سألت فقالوا لي تجده في ساحة المدرسة.. ذهبت أبحث عنه، فوجدته يصارع عددا كبيرا من الأطفال أمام نافذة "المقصف".. ولأنه "طالع لخواله" فقد كان سميناً.. عريض الكتفين.. كأنه مصارع سومو ياباني.. كان يدفع الأطفال، الذين كانوا يتطايرون من أمامه كأنهم عصافير.. حتى وصل للنافذة.. يقول: كنت أتأمل المشهد، وكأنني أشاهد "فيلما" لحياتي حينما كنت في المرحلة الابتدائية.. الفرق أننا تبادلنا الأدوار"!
- هذه الحكاية تلخص مشكلة كبيرة نلمسها في تعاملاتنا اليومية.. بين حين وآخر تطالعنا الصحف بصور لحالات من الفوضى في عدد من المؤسسات، حين التقدم على وظيفة أو تجديد جواز أو استخراج فيزة عامل.. سنتجاوز عدم مواكبة هذه الأجهزة للتطور التقني.. وسنقفز قفزة كبيرة على حكاية "الحكومة الإلكترونية".. هذه أشياء تحدثنا عنها كثيراً.. والتحول نحوها بطيء للغاية.. سأتحدث عن الإنسان نفسه.. ما السبب الذي يدفع الإنسان كي يتجاوز غيره.. ما السبب الذي يدفعه كي يرى نفسه أكبر من أن يقف خلف الناس أو وسطهم.. احترام الإنسان للطابور جزء من احترامه للنظام.. والعكس في هذه الحالة غير صحيح.. بمعنى: رفضه للطابور لا يعني أنه ضد النظام.. ربما لم يجد من يعلمه النظام وقيمة النظام!
الإنسان الذي لم يتعود على النظام في المدرسة، ولم يعتد على احترام حقوق الآخرين حينما كان طفلاً صغيراً.. سيكون من الصعوبة عليه أن يتعلمها عند الكبر.. من هنا حينما تشاهد الفوضى، والاستهانة بالطابور، في بعض الأماكن، "فتّش عن المدرسة" مباشرة!

*نقلا عن "الوطن" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.