.
.
.
.

المعاهد العلمية

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

قبل سنوات قليلة التقيت شابا سعوديا في بريطانيا. يريد أن يتعلم اللغة الإنجليزية ليلتحق بجامعة بريطانية. شكا من صعوبة اللغة ومن التأقلم مع التعليم الذي ينتظره. لم افهم حقيقة شكواه. نصحته كما انصح بقية الطلبة المغتربين عن بلدانهم (الجد والاجتهاد والمثابرة واحترام سمعة بلادكم) إلى آخر الحزمة النصائحية المعتادة. بعد حوار قليل تبينت مشكلته. كان خريج احد المعاهد العلمية. اسم على غير مسمى.

معاهد كما نعرف تقتصر علومها على مواد دينية وبعض علوم اللغة العربية. حصل على ثانويتها. ثانوية لا تصلح ولا تقبل سوى في جامعة الامام أو في الكليات الأخرى التي بدأت تقفل ابوابها. إذا اردنا الدقة سنجد ان شهادات هذه المعاهد لن تقبل حتى في جامعة الامام بعد التطور الذي حدث في الجامعة مؤخرا.

أدخلت جامعة الامام عددا من الكليات الحديثة التي لا تتفق مع الفلسفة الفكرية التي أسست على ضوئها المعاهد العلمية. شكا لي الشاب: لماذا لم يلقن ما ينفعه وما يجعله مثل اقرانه وأبناء جيله. يريد أن يكون مثل الناس على حد تعبيره؟! لا يوجد مؤسسة في البلاد تقبل توظيفه. ما الذي يمكن أن تستفيده البنوك أو سابك أو أرامكو أو الاتصالات أو السفارات أو الخطوط من طالب حصل على درجة الامتياز في حفظ زاد المستنقع وشرح ابن عقيل على الفية ابن مالك؟

ألحقه والده بالمعهد طمعا في المكافأة. كان والده فقيرا. حاجته للمكافأة الصغيرة التي يتلقاه الابن كانت ملحة. سدت في حينها بعض احتياجات البيت. ثم يقول الشاب ساخرا. لم يكن والدي يعلم أن هذه المكافأة ستكون سببا في استمرار الفقر في الاسرة وتأصيله. سدت باب الوظائف كلها في وجهي. يتعب آباؤنا علينا لكي يهيئونا للحياة القادمة, بيد أن خيالهم يخونهم في بعض الأحيان. لا يتخيلون ما يخبئه المستقبل.

لو ان والدي (كما يقول) شغلني صبيا في دكان كنت حققت له المكافأة التي كان في حاجتها واكتسبت خبرة تساعدني على المشاركة في الحياة كالآخرين. عندما تأسست هذه المعاهد في المملكة في منتصف القرن الماضي ما كان اصحابها يملكون ما يقدمونه سوى ما يعرفونه وما يصبون إليه. كان الزمن مختلفا. لم تكن البلاد في حاجة إلى مهندس طائرات أو مبرمج كمبيوتر او محلل مشاريع أو حتى موظف استقبال.

كانت الحكومة هي الموظف الوحيد وكان الموظف السعودي في الشركات الحديثة إما عاملا أو فراشا أو مراسلا. تلك كانت الوظائف التي تنتظر السعوديين في القطاع الخاص. لم يكن هذا النوع من التعليم في ذلك الحين مشكلة. سمعت ان هذه المعاهد اضافت شيئا من العلوم الحديثة في مناهجها لكي تواكب العصر (لا اعلم أي عصر!). نوع من التسليك. تزين للآباء خديعة انفسهم. لماذا هذا الإصرار على استمرارها. على الأقل الغاء المكافأة لكي يتساوى الفقراء مع الأغنياء في الالتحاق بها. تكون خيارا علميا لا اقتصاديا. لكي يلجأ لها الآباء الفقراء لسد احتياجاتهم على حساب مستقبل أبنائهم كما حصل لهذا الشاب.

*نقلا عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.