عائلة “محترمة”؟!

عبد العزيز حسين الصويغ

نشر في: آخر تحديث:

التسول في بلادنا عملية مستمرة لا ينقطع أوارها على مدى الاثنى عشر شهراً في السنة، والتسعة والعشرين أو الثلاثين يوماً من كل شهر، بل والأربع والعشرين ساعة في اليوم، حيث لا يأخذ بعض المتسولين ساعات راحة فتجدهم في كل شارع وفي كل زاوية على مدار اليوم حتى يتعجب المرء منا ويتساءل في نفسه: تُرى متى ينام هؤلاء المتسولون؟!

***
ويعتبر شهر رمضان الكريم ذروة شهور ومواسم التسول حيث تشهد الشوارع وباحات المساجد، ارتفاعاً ملحوظاً لجحافل المتسولين وعصاباتهم المنظمة تستغل روحانية هذا الشهر الفضيل لتستدر عطف الناس وحبهم لبذل الخير ومساعدة المحتاجين. أما التسول في مواسم الحج والعمرة فحدث ولا حرج، حيث تزداد أشكال التسول وصوره وتنتشر أكثر في المناطق التي يرتادها الزائرون للأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فبالرغم من قدسية هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام فإن ساحات المسجد الحرام والحرم النبوي الشريف والطرق الموصلة إليهما تغص بكمٍّ مهول من المتسولين بشكل يشوه الجمال والجلال الذي يغمر هاتين البقعتين المقدستين ويعطي صورة مشينة للمسلمين.
***
وإذا كان للتسول أشكال وطرق عديدة تعتمد على رسم وتخطيط عقول تعتمد على استدرار عطف الناس ومشاعرهم، فإن الوارد من هذه المهنة يجعلها ذات جاذبية لضعاف النفوس ممن لا يجدون حرجاً في إراقة ماء وجههم من أجل الربح المادي، كونها، كما يقول الأمين العام للجنة الدائمة لمكافحة جرائم الإتجار بالبشر بدر باجابر، مهنة مربحة مرتفعة الدخل تدر في بعض الأحيان 60 ألف ريال شهرياً. لذا لا غرابة أن نجد من المتسولين من قد امتهن التسول طمعاً في زيادة دخله، بل يصل به الأمر الى إمكانية توظيف من يعمل لديه فيستأجر الأطفال والرضع والإكسسوار اللازم للتسول وحتى عمل عاهات صناعية أو دائمة لزوم العمل لمن يوظفه.
***
ورغم شدة عقوبة التسوُّل في النظام السعودي، فإن الحافز المادي المجزي يجعل هذه "المهنة" مطمحاً للمتسولين، خاصة من الجنسيات الوافدة. فوفقاً للأمين العام للجنة الدائمة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر فإن 80% من المتسوِّلين في المملكة هم من غير السعوديين. وقد ألقت شرطة محافظة جدة القبض أخيراً على 3 رجال و7 نساء من أسرة عربية واحدة، لقيامهم بامتهان الأطفال وتشغيلهم في التسول بأماكن مختلفة داخل المحافظة. وحسب الناطق الإعلامي لشرطة جدة، الملازم أول نواف البوق تم توثيق عمليات التسول بالصور والفيديو، وقامت الأجهزة الأمنية بمداهمة المنزل الذي يقطن فيه المتسولون، وبلغ عدد الأشخاص الذين تم ضبطهم داخل المنزل 27 شخصاً، منهم 3 رجال و 7 نساء و17 طفلاً، كانوا قد قدموا إلى المملكة لأداء العمرة وتخلفوا عن العودة لبلدهم.
***
وهكذا فإذا كانت الإغراءات أمام المتسولين كبيرة فإن العقوبة يجب أن تتناسب مع كم هذه الإغراءات وحجمها. لذا فطيب أن نعلم أن عقوبة التسوُّل في النظام السعودي، كما يؤكد الأستاذ بدر باجابر، شديدة، حيث تصل العقوبة إلى 15 سنة سجناً للمتاجرين بالأطفال، وغرامة تتجاوز مليون ريال للأفراد وعشرة ملايين للمؤسسات والشركات، كما أن من علم بجريمة اتجار ولم يبلِّغ يُعد شريكاً في الجريمة. ويبقي هنا دور رئيسي على الأجهزة الحكومية المختصة، وعلى رأسها الشرطة وإدارة مكافحة التسوُّل للقيام بعملها لملاحقة المتسولين للقضاء على هذه الظاهرة السلبية التي أخذت أبعاداً مقلقة، وتشكل مفارقة في بلد غني كالمملكة العربية السعودية.

• نافذة صغيرة:
[[مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ.]] حديث نبوي

*نقلا عن "المدينة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.