ما بين وزيري الصحة والتربية والتعليم
تقول طالبة الهندسة المبتعثة: كنت أجلس في قاعة الدرس أحمل الجوال في يدي مع كيس من الحلوى أتسلى بقضمها بانتظار مجيء معلم المادة. فإذا بطالب يجلس بمحاذاتي يصاب بتشنجات في عضلات وجهه، يرتمي على إثرها أرضاً وهو يتلوى والزبد يخرج من فمه. ما حدا ببقية الطلبة إلى الإسراع والهروع إليه لإسعافه ببعض الإجراءات المبدئية، إذ فتح الفم حتى لا يبلع لسانه، والتعديل من وضعية رأسه، وطبعاً اتصلوا فوراً برقم الطوارئ للتبليغ وطلب سيارة إسعاف، بعد تحديد العنوان. تضيف الطالبة ولأنني كنت مندهشة ومرتاعة مما أرى، خصوصاً مع جهلي التام بالتصرف الأمثل في مثل تلك الظروف، فقد خبأت جوالي في جيبي حتى لا يُطلب مني إجراء أي اتصال، فأحرج وأرتبك ولا أعرف توصيف الحالة. غير أنها الحادثة التي انتهت بخير للطالب بعد أن أقلته سيارة الإسعاف إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم. وواصل حضوره إلى الدرس في الأيام اللاحقة. بل كان أحد المتفوقين في المادة. وعندما سألت الطالبة من كان معها عن مدى معرفتهم بتلك الإسعافات وبهذه الثقة في الظرف الضيق؟ أعلموها بالسبب الذي يعود إلى التدريب والمران، والمعلومات الطبية التي استوعبوها تطبيقياً من خلال حصص التعليم الصحي المقررة عليهم في المرحلتين المتوسطة والثانوية، التي أهلتهم إلى الإعداد المسبق للتعامل مع الحالات الطارئة التي تصادفهم في الحياة، ومنها حالة الصرع التي أصابت زميلهم في ذلك اليوم.
شخصياً، وأكثر ما آلمني فيما سمعت كان في تشبيه الطالبة لحالها كمثل المتظاهر بالموت وقت الحرب، خوفاً على نفسه من القتل. وبقولها لم أدرِ بنفسي إلاّ وأنا أتراجع، وأتوارى شيئاً فشيئاً بين جموع الزملاء والزميلات، فلا ألاحَظ في الصفوف المتقدمة أو يُنتظر مني شيء. مع حرصي على التمثيل بالإحاطة الزائفة والتفاعل لما يجري أمامي، بينما أنا في الحقيقة لا أعرف حتى ما أصاب زميلي، ثم تسألني: تخيلي مصير الطالب لو تبدلت الحال وعوضاً عن أقرانه وإسعافهم السريع لوضعه، كانوا من خريجي منهجنا الدراسي الذي لم يعلمنا كيف نعقم الجرح البسيط، فبلع الصريع لسانه واختنق به ومات؟ والسؤال الأبسط: من منا يعرف حقاً وبالتدريب العملي كيفية التنفس الاصطناعي، وليس كما تابعها في الأفلام الأجنبية؟ فإن كانت الموسيقى من المحرمات، والرياضة بين الحلال والحرام، ففي أي قائمة يصنف الاعتناء بالصحة وبحياة الإنسان؟ فإن صرحنا نظرياً بحلاله، فلماذا تأخرنا إذاً في اتخاذ خطوات عملية وفاعلة وجدية في تضمين مناهجنا حصة التثقيف الصحي وبشكل عملي ومدروس يدرج في المجموع العام لدرجات الطالب والطالبة؟ فهناك منحى استهتاري عجيب لدى أبنائنا يرى أن كل ما لا يقوّم بدرجة وبمجموع لا داعي للاهتمام به. كمادة اللغة الإنكليزية الإضافية والمهملة في المدارس الأهلية، على سبيل المثال المحزن.
في «مدارس دار الحنان» بجدة حيث كاتبة المقالة كانت إحدى خريجاتها، كان التثقيف الصحي من ضمن أساسيات مبادئ حركة الكشافة التي تمتّعنا بأنشطتها على مدار الأعوام. فماذا عن حضور ثقافة الكشافة اليوم في مدارسنا والتدريب على مبادئها؟ حسناً، لنحصر المسألة أكثر ونسأل: ما الذي يمنع وزير التربية والتعليم ومعه وزير الصحة من التعاون الفوري في تشكيل منهج يعده متخصصون في مجال الإسعافات الأولية والتثقيف الصحي والغذائي، وإلحاقه ضمن المنهج الأساسي في جميع المراحل الدراسية بمراعاة التدرّج والعمر؟ ثم يصدر الأمر الأعلى (ومن غير تشكيل اللجان) بالعمل بهذا المقرر ابتداءً من السنة الدراسية المقبلة؟ فأنْ نتداول الأمر ونقر بأحقيته وضرورته ثم تمضي الأيام ولا شيء يتغير، فلا نستغرب عندها إن صارت البنت أماً ومات ابنها اختناقاً «بحبة حلاوة»، أو وقع في حوض سباحة ولم يسعفه أبوه. وهما الواقعتان اللتان كنت -على اختلافهما- الشاهدة على حسرة الأبوين (الطالبين سابقاً) لمجرد جهلهما بالإسعافات الأولية.
تعودنا تبرير الإهمال ونقص المعلومة بالقضاء والقدر. فيموت الإنسان وكان بالإمكان إنقاذه، فلا نزيد على عبارة «انتهى أجله». وهذا صحيح، ولكل أجل كتاب. ولكن دعنا نتجنب الملامة وتأنيب الضمير بالقيام بما علينا أولاً وثانياً، وهي أيضاً من مشيئة الله. ولأنها لحظات فاصلة ما بين الموت والحياة، فقد اجتازت الطالبة بنجاح دورة للإسعافات الأولية في صيف هذا العام. حتى إذا عاشت الموقف ثانية، أسرعت وأنقذت المصاب وهي فخورة بإنسانيتها، لا متظاهرة بالموت في المعركة.
نقلاً عن صحيفة "الحياة"