الوصوليون... العرب!

سعود الريس
سعود الريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

كان ينتقل من فضائية إلى أخرى، هنا يصارخ وهناك ينظر، رأس تحرير صحيفة، وظفها لصراخه، قضيته الأساسية أنه لا يوجد لديه «قضية»، هوسه المادي وسعيه خلف المال قزّم من شأنه بين أقرانه، استمر على هذا المنوال إلى أن وجد نفسه على قارعة الطريق!
ترى كم شخصاً مثله تنتظره قارعة الطريق لتحتفي به؟
في السعودية، كان كثير من كتاب الصحف العرب يداهنون من مصر ولبنان وسورية وغيرها، الغرض هو التقرب والحصول على ما تيسر من خلال الإفراط في الثناء عليها، كانت تلك الأقلام ما زالت مكشوفة رؤوسها ومعروفة أغراضها، كنا نتندر عليهم، ونستغرب إلى أين تصل سطوة المال، طبعاً هذا مسجل في تاريخ كل منهم، لكن الإشكالية هي أن عجلة التاريخ لا تقف عند حد معين، والسقطات تخلد في الأذهان أكثر من الإنجازات، بعضنا لا ينظر إلى ذلك إلا من منظور ضيق، لذلك وجدنا التاريخ يعيد نفسه، فمن كان يستهزئ بأولئك المداهنين بات واحداً منهم، لكنه «بغترة وعقال»، فالمداهنة لم تعد حكراً على ذوي الرؤوس المكشوفة بل حتى تلك المغطاة، على رغم أن الغطاء لا يكفي لستر ما فيها.
لا شك أننا أمام واقع جديد، مداهنة ونفاق هذه المرة ضدنا، والأدوات من بيننا، ومطلوب أن نحترمها لأنها تمثلنا.
أتحدث تحديداً عن بعض السعوديين الذين يقيمون ويعملون في الدول الأخرى، فهوس التقرب من السلطة هناك دفع معظم هؤلاء لتسخير جهودهم وأقلامهم وأدواتهم كافة، لتعظيم تلك الدول الصغيرة، وهذا بطبيعة الحال أمر عائد إليهم أن يختاروا أين يعيشون أو كيف يعيشون، لكن المفارقة هنا أن ذلك التعظيم و«النفخ» لا يمكن له أن يبرز ما لم يسر معه على خط متوازٍ، تقزيم إنجازات هذه الدولة العملاقة، ذلك منطقهم وتلك فلسفتهم، ما حول القضايا الهامشية لتصبح هي سيدة الموقف، أما ما تم تحقيقه فمصيره الاستخفاف والتسفيه، ثمناً لأطماع تلك الأقلام وهوسها.
البعض تلقائياً يفتن بكل ما يشاهده في الخارج، شعب لا يمكن إقناعه بما يملك، يفتنه ما لدى الآخرين، والبعض الآخر لا يهمه، كل ما يبحث عنه هو الثغرات لتسليط الضوء عليها، والتلاعب بها وتوظيفها لخدمة تسيير أمورهم الشخصية، لذلك أمعنوا كثيراً بما ذهبوا إليه، فوجدوا من يصفق ويؤيد ويدفعهم إلى المضي بهذا الفكر، ضاربين عرض الحائط بالأمانة التي يحملونها، بعضهم استيقظ والبعض الآخر ما زال مأخوذاً بذلك الافتتان، بل بعضهم حمل بعضه، واتجهوا إلى حيث يفتتنون.
يقول تولستوي: «الجميع يفكر في تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه»، هذه العبارة تلخص إلى حد كبير فكر أولئك، وهذا شجع بعض الأنظمة للاستعانة بهم، ووظفهم ليكونوا أداة لخدمة أغراضهم، تلك الأنظمة أغراضها لا تحتمله جمجمة رأسها الصغير، ولا يعنينا كثيراً حجم جمجمتها، لكن الذي يعنينا هو أن يتحول بعضنا، ليصبح «فرشة أسنان» لتلك الجماجم. اليوم في الخليج العربي لا شك أن هناك نماذج ناجحة، ولا أحد ينكر ذلك، بيد أن ذلك النجاح يبقى باهتاً لسبب واحد فقط، هو أن القاعدة الشعبية لأي نجاح لا توجد إلا في السعودية، لذلك نجد الفعاليات كافة موجهة إلى السعوديين في شكل خاص، حتى إن كانت لا تعنيهم، بعض الدول استغلت ذلك، وهو مشروع، ففعالياتها لا تكلفها سوى بضعة تذاكر مع إقامة لشخصيات سعودية يحتفى بها، ومن ثم يعود بعضهم وكأنه كومبارس يصفق ويهلل لهذه الدولة أو تلك، الخطة ناجحة، وكما قلنا: هي مشروعة، ولا يوجد لدينا مأخذ عليها، لكن المأخذ على أولئك الذين يذهبون إلى أبعد مما ينبغي بالمديح على حسابنا، وكأننا نعيش تحت الأرض لا فوقها.
المساحة الصغيرة المخصصة لكتابة بعض الوصوليين ستبقى هي حجم الدول التي يتم الترويج لها بغض النظر عن أين؟ وكيف؟ ولماذا؟


*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.