.
.
.
.

مسوي فيها نظامي

أحمد عجب الزهراني

نشر في: آخر تحديث:

في كل مرة أزور فيها مدينة دبي الفاضلة، أقف حائراً مشدوهاً أمام هذا النظام الذي يطبق على الجميع بكل حزم وصرامة ويتقبلونه بكل رحابة صدر (بل وإشادة وإعجاب منقطع النظير) هذه المدينة المتحضرة والمنظمة للغاية ليست بدولة غربية متقدمة صناعياً أو تجارياً (حتى يمكن القول بأن الأمر طبيعي وعادي) بل هي مدينة عربية تتبع لدولة جارة وصديقة (وهذا هو مثار دهشتي وإعجابي) بمعنى أن الأمر لا يقف على عرق أو طائفة من البشر، ولا يقف على دولة عظمى لها مكانتها وثقلها على مستوى العالم، وإنما يقف على خطة واستراتيجية محكمة تنمي في المواطن أو المقيم احترامه للأنظمة وخوفه الشديد من العقوبة!!

في كل مكان نذهب إليه في هذه المدينة الفاضلة، سواء ستي استار أو ابن بطوطة أو المركز التجاري والمعلم الأكثر ارتياداً من قبل الزوار والمصطافين (دبي مول) بواجهته المذهلة والمطلة على برج الشيخ خليفة ، لا يقتصر إعجابنا على روعة التصاميم وجمال المشاريع العملاقة، بل أكثر ما يعجبنا ويجعلنا متفرغين للمشاهدة والاستمتاع بالمناظر الخلابة، هو دقة النظام الذي يسير عليه الجميع، إننا نصطف في طوابير طويلة جداً بالمراكز للحصول على سيارة أجرة تقلنا إلى وجهتنا المقبلة (دون أن نسمع عبارات التأفف) إننا نقف بالتزام تام أمام الإشارة الضوئية للمشاة لنعبر الشوارع النظيفة الخالية من المطبات والحفر والمواقف العشوائية، إننا ننجز معاملاتنا ومهامنا التي جئنا من أجلها في مواعيدها تحت مظلة النظام لا الواسطة والمحسوبية!!

في كل مرة أهم فيها بمغادرة هذه المدينة الفاضلة، تراودني الرغبة بمواصلة ذات النظام ببلدي، إلا أنه وبمجرد أن تطأ قدمي أرض المطار، أجد ذلك الشاب ونحن نستقل الباص يجلس (رجل على رجل) بالمقعد المخصص للنساء وكبار السن، أجد فوضى عارمة أمام بوابة صالة القدوم لسائقين غير خصوصيين يهتفون بكل أريحية (مشوار .. مشوار)، أجد سيارة الأجرة التي تقلني إلى المنزل لا تعير أي اهتمام لخطوط المشاة أو أفضلية السير، لأقول في نفسي وقد غزاها الإحباط

(اللي هذا أوله ينعاف تاليه) وما هي إلا بضعة أيام حتى يتملكني اليأس إثر زيارتي أو مراجعتي لبقية الأماكن حيث المخالفات بالجملة وترتكب في وضح النهار ثم لا ألبث أن أتجنب نظرة الازدراء وأركب الموجة مثلي مثل البقية حتى لا يقال لي (الأخ مسوي فيها نظامي)!!

في كل مرة أستعيد فيها ذكرياتي بمدينة دبي الفاضلة، وأحاول مقارنتها بالفوضى التي نعيشها هنا، يقطع حبل أفكاري موقف ذلك الرجل الملتحي الذي كان يقف بشباك التذاكر بمترو القطار الكائن بشارع الرقة عندما أبديت له إعجابي بما رأيته وعايشته لديهم، ليقول (يا أخي اشكر ربك يكفيكم بالسعودية وجود الحرمين الشريفين) نعم نحن نشكر الله بالأقوال والمظاهر (الزائفة) ولكن ما إن تحين المواقف والأفعال حتى ننسى بأننا بأطهر بقعة على وجه البسيطة!!

نقلا عن صحيفة "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.