.
.
.
.

عبده خال

نشر في: آخر تحديث:

اليوم يجتمع الناس في أطهر البقاع ملبين طالبين من الله عز وجل النصرة والتحام فرقتهم.. ويعرف الكثير من الحجاج الداء العظيم الذي يسكن بين أفراد الأمة من تشاحن وتباغض وإن أحسوا وعاشوا هذه الفرقة فإن الكثير منهم لا يعرف الأسباب الجوهرية لتزايد الخصومة وانتشارها في كل البقاع الإسلامية، بينما الفاحص لمجريات التاريخ يستوعب تمدد مشاعر الكراهية ويمتلك معرفة المسببات المؤدية لهذا التنابذ أكثر من أي وسيلة أخرى. ومنذ عهود سحيقة والسياسة تشكل آراء المجتمعات في التقارب والتنافر، ولم يكن بدعا على الأمة الإسلامية الدخول لهذا النفق المظلم لإضعاف قوتها وجرها إلى التمزق بأيدي أبنائها -قبل أعدائها- وقد مثلت المذهبية عنصرا أساسيا في استقطاب المؤيدين والمعارضين عبر التاريخ مما اقتضى تعميق الفجوة بين أفراد الأمة الواحدة، وقد ابتلت الأمة الإسلامية بهذه الفرقة منذ البدايات الأولى بتقسيم وحدتها إلى مذاهب وطوائف كل منها تقدح في الأخرى وتسفه المنطلقات والرموز للفئة المقابلة. وقد انقسمت الأمة الإسلامية إلى طوائف وملل ونحل عديدة أخذت في التصارع عبر مجريات التاريخ كل منها تحشد مؤيديها وأنصارها لذم الطوائف الأخرى، وفي كل زمن يظهر أناس عقلاء يطالبون برأب الصدع والتقارب بين المختلفين.
ونحن اليوم شهود على تصارع مذهبين كبيرين استفاد من فرقتهما أعداء الأمة فواصلوا إذكاء الفرقة بينهما وكلما ظهرت دعوة للتقارب ضربت في المهد. ومع ثورة الاتصالات الحديثة لم يعد خافيا أن الأمة الإسلامية مقبلة على تمزق حقيقي يستهدفه أعداؤها -وإن استخدموا أبناء الأمة لإحداث هذا التمزق- وفي هذا الجو المنذر بالويلات تنبه بعض المنتمين للمذهبين لهذا الخطر فأخذوا بالتنادي لإذابة محفزات الكراهية. وفي الفترة الأخيرة خرجت مبادرة بعض علماء المذهب الشيعي إلى الواجهة حين وسعوا دائرة الإدانة للاعتداءات الصادرة من بعض المتعصبين الشيعة وسعوا جاهدين في محاولة إيقاف الإساءات الموجهة للرموز الإسلامية التي دأب المتعصبون على التطاول عليها.. وهذه الدعوة الرائعة لجمع كلمة المسلمين يجب أن تطبق فعليا على أرض الواقع وعلى جميع المذاهب، فعملية التقارب بين أطراف وأفراد الأمة الإسلامية المتنازعة لا تأتي إلا من الحكماء والعارفين بوبال هذه الفرقة على المنتمين للإسلام كدين وكوجود فهل تكون دعوات الحجيج -ومن قبل ذلك دعوات كل خطباء المساجد بلم شمل الأمة- محققة من خلال إحداث التقارب برفض كل طائفة ما يلحق الأخرى من إساءات؟ وهل تتحول هذه المبادرات إلى مشاريع تلتزم بها الهيئات والمنظمات الإسلامية كهدف استراتيجي لجمع شتات هذه الأمة؟

*نقلا عن "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.