رسالة من مواطن في جونز هوبكنز
حين تتحدث عن المشاعر ربما تتهم من جماعتك بأنك «مهايط» وحين تراعي وتحسب لأبسط آداب التعامل مع الآخر فستوصف بلا تردد أنك «مسكين»! وحتى لا تكون مكبّ السخرية لتلك الليلة من أصدقائك والمحيطين بك يجب أن تشبههم وتقلدهم فيما يتخذون من مواقف.. وإلا فأنت «مستلجّ»!
المشاعر في الحياة لا تنفصل عن العقلانية وإن كان العقل يمرّ بها في كافة قراراته حتى المناقض لرغباتك، ومع ذلك فهي ضرورة في الأعمال الملامسة للناس، وفي كل علاقة بين طرفين أحدهما صاحب حق أو طالب خدمة، ويا حبذا لو خلت من التدليس والنفاق والمنفعة لأن وجود المنفعة محوراً في الموضوع سيقلل من قيمة فعلك للخير حتى لو أقنعت نفسك أنك خيّر! فالأعمال بالنيات.. والنيّات يكتشفها ذوو المشاعر ويرونها مرأى العين كأنهم يقرأون صحيفة بيضاء..
كان يحدثني عن قصته ومعاناته مع المشاعر والحرمان من التقدير الإنساني، أخبرته أن اعتماد الإنسانية في العلاقة هو أدنى درجة في أساسات أي علاقة وليس منة من أحد عليك، سأتركه لكم يحكي تجربة أحيت فيه الوجدان قبل الجسد مع احتفاظي بكافة التفاصيل..
«أقرؤكم السلام أولاً، وأفيدكم أني مريض من 28 سنة أي منذ الطفولة، ويتم علاجي في جميع مستشفيات المملكة من خاص وحكومي بعد تشخيص حالتي خطأ بمرض الربو وإلى الآن وأنا أعتقد أني مريض ربو، تشبع جسمي بعلاجات الربو من بخاخات وحبوب الكرتزون ومنها أصبح لدي خوف أن أمشي من غير بخاخ أو جهاز بخار لمعالجة أي ضيق تنفس، تضاعفت حالتي سوءاً فدخلت مستشفى خاص بالشرقية وأنا أعيش بالرياض وكانت الصاعقة أن اكتشف أحد الأطباء جزاه الله خيراً أني لست مصاباً بالربو وأن لدي مرضا آخر اسمه التصلّب اللويحي بعد أن أصبت بالجلطة مرتين نتيجة الكميات الهائلة للأدوية، صارحني أنه لا يستطيع معالجتي ثم اتجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهنا تبدأ القصة!
علاج 28 سنة في مستشفيات المملكة العربية السعودية أعطاني الخبرة الكافية في العلاج، توقف قلبي ثلاث مرات ونمت تحت التنفس الصناعي أكثر من 30 مرة، في أول موعد لدي في مستشفى جونز هوبكنز أفضل مستشفى في العالم لم أجد أي فرق بيننا وبينهم في الأثاث ولا زياده في الفخامة لمدخل أو سويت أو غرفة مريض، تم استقبالي من الممرضة بمناداتي مستر .... بابتسامة رائعة وتوجهنا إلى العيادة وكان في استقبالي أحد الأطباء المتدربين وتوجهنا إلى الدكتور البروفسور الذي ما كان منه عندما رآني إلا استقبالي بحرارة وترحيب، قدّم لي القهوة بنفسه وهو يناولني بطاقته وعرفني بنفسه بالكامل ثم قال لي « إني أتشرف بمعالجتك» وأعطاني ثقة كبيرة بأن أشارك في اتخاذ القرارات الطبية معهم، أما صدمتي الثانية أو الثالثة لا أذكر هي أن يمنحني من وقته هذا البروفيسور برفقة مساعده على تعليمي تفاصيل تناول الأدوية ولم تقم الممرضة بذلك!
أكتب لكم من المستشفى الآن حيث أجريت لي أول عملية ولا أزال منوّما، قبل العملية تقدم لي الفريق بكامله للتعرف عليّ ولتوضيح خطة العملية، وعند الإفاقة قوبلت بترحيب من الدكتور وقام بنفسه يدفع السرير وليس الممرضة، وها أنا الآن أعالج ليس لمرضي بل للأغلاط الطبية الفادحة التي ارتكبت ولا أدري السبب جهلي أم المستشفيات أم الصيدليات فأنا كنت أحصل على أي دواء أريده!
أتمنى أن أجد طبيباً يتابعني بعد عودتي وأتمنى أن أجد طبيباً أستأمنه على أبي وأمي وزوجتي وأبنائي لو تزوجت! أتمنى أن يعاملنا باحترام ورقي.. ابنكم ومحبكم بدر..».
نقلاً عن صحيفة "اليوم" السعودية