.
.
.
.

فوائد الإطاحة بـ «قاض مرتش»!

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

لا أتفاءل حين تسحبني على عجالة بعض الأخبار المحلية، ولكني أحملها في الجهة المقابلة. وعند القراءة العقلانية المتأنية الهادئة لتفاؤل موازٍ وعميق وجديد في الصورة والزاوية والوجهة، لمحة عدم التفاؤل تطل من صدمة أن تهتز ثقة كبيرة وتتعرض لاهتزاز عنيف، وصدمة أن كرسياً كان يذهب إليه متخاصمان ليمثل ميزان عدل وحل وسط بين اثنين، بات يفكر ويخطط لجلب ما تيسر أن ينضم ويضاف إلى حسابه المصرفي.

أتفاءل في الجهة الأخرى ذات المساحة الأكبر في أنه لم يعد هناك أحد فوق القانون، فلا ننكر أننا عشنا أعواماً طوالاً بقناعة تامة وتحت تأثير لا مباشر بحقيقة أن ما يسمى «قانوناً» يقف فوقه - وبثبات - عدد من الأجساد التي تسلمت جملة من المناصب والمسميات والكراسي الوظيفية، ولم يكن هناك من يسائلهم أو يحاسبهم، وكانت حتى مصافحتهم أو محاورتهم والاقتراب منهم ضرباً من التهور. المجلس الأعلى للقضاء وفي جرأة غير مسبوقة وبخطوة تستحق الإشادة والشكر، أطاح بأحد قضاة مدينة الرياض متلبساً بالرشوة، وفضيلة القاضي لم يكن يتوقع للحظة واحدة أن يكون زبون وصيد هذه الجريمة الرديئة والمقلقة، خصوصاً وأنها تأتي « في/ من» المكان الذي كنا نحمل إيماناً متوارثاً أنه في مأمن عنها. الإطاحة الاستثنائية فيها رسائل غاية في الإيجابية، أولها أن القانون لم ولن يستثني أحداً - قدر الإمكان- ولو كان محملاً بحصانة كان يظن المحيطون أنها منحت لمن يثمنها ويستحقها ويعرف أبعادها، لكنهم لم يتوقعوا إمكان استغلالها وارتدائها كعباءة لأجل الوصول إلى المناطق المحظورة والمشبوهة وهذه هي الرسالة الأهم! الرسالة الثانية تحمل تباشير أن المجلس الأعلى للقضاء سيضرب في وجه من يعبث بإطاره العام وهو منتم له بالاسم والوظيفة، ويتحدث بشجاعة أن المجلس في غنى عن مثل هذا القاضي ومن يشبهه ولا حاجة له به وبهم. وثالث الرسائل تلمح أن تطوير القضاء انتقل من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطوير الفعلي والعلاج المتدرج لمعضلات القضاء، وأفتح صفحة أولى كبداية جادة لهذه المرحلة، تتمثل في «الإطاحة بقاضي مرتشٍ». الرسالة الرابعة تقودنا إلى أن نتحمس بأن ثالوث التغيير واستبدال الثياب القديمة والقناعات المتوارثة يصحبه الآن وضع يد الطبيب على الجرح من دون قلق أو تأخير وإمهال، كما أن هذا الثالوث سيركز على اللب لا القشور، وينتزع الجذور الداعمة للتردي والشكوك والضياع واستغلال الأمكنة، بينما الرسالة الخامسة والأخيرة جاءت لتؤكد بأنه وكما أن بيننا فاسدين في الفكر ومثلهم في الأمانة، فهناك آخرون في القضاء وتجري الآن تصفيتهم. ولأن الرسائل لن تتوقف بالثناء على «المجلس» وشفافيته العالية، إلا أني أحمل رسالة شعبية صادقة له في خضم هذا التفاؤل المصحوب بصراحة منتظرة، وهي أن يدقق في حكاية تعطيل بعض القضاة لمصلحة الناس، وأزمة الدوام الرسمي التي يعاني منها المواطنون، وينتظرون لأجلها شهوراً من دون عذر صريح سوى الأسطوانة الشهيرة: «القاضي في إجازة».

نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.