.
.
.
.

تمرد واستغناء‏

سوزان المشهدي

نشر في: آخر تحديث:

نشرت الصحف المحلية إبداعاً لا إبداع بعده، على رغم أننا لم نكن أفقنا بعد من صدمة تأثير القيادة على بعض أعضاء المرأة الداخلية، الذي حولها لمادة فكاهية مميزة ونادرة، وبعد أن جاءت سيرتها العطرة في بعض البرامج العامة على كثير من المحطات الأجنبية.

إذ ذكرت الصحف تصريحاً عن شخص قيل عنه مسؤول كما ذكر موقع العربية، ولا أعلم هو عماذا مسؤول ومن الذي سأله! ما علينا من الأسئلة الجانبية واسمه ليس مهماً، فهو معروف بتصريحاته النارية مثل يا أخي طلقها حتى تتأدب، وهو المصلح الاجتماعي، وهو الذي يرأس لجنه مهتمة بالتكافل الأسري في إحدى المدن السعودية، إذ قال إن أرقام وإحصاءات الطلاق مرتفعة جداً، ومن أسباب الطلاق خروج المرأة للعمل من دون تخطيط أو تركيز، وهذا أدى إلى تمردها على زوجها، فهي قاعدة معروفة بحسب قوله إن المرأة متى ما استغنت عن الرجل تمردت عليه!

تحملوا أسئلتي البلهاء على رغم صعوبة فهمي عن كيفية خروج المرأة للعمل من دون تركيز أو تخطيط. هل كانت مثلاً في أحد الشوارع ثم قررت فجأة الدخول للعمل في أحد المستوصفات؟ أم أن هناك دوافع عدة مجتمعة دفعتها دفعاً للبحث عن العمل، واتخذت خطوات الانخراط في العمل، مثل تقديم السيرة الذاتية وغيرها، ثم توقيع العقد وبدء العمل الفعلي.

نعود لأسباب العمل الحقيقية التي بلورتها القصص الحقيقية الكثيرة والمتشابهة لبعض النساء إن لم تكن لمعظمهن، تتربى المرأة وهي محاطة بثقافة معينة تدفعها دفعاً لتجعل زوجها المنتظر محور حياتها، ثم تفاجأ بعد عشرة أعوام أو أقل بأن محور حياتها يبحث عن حياة جديدة، وفجأة تجد نفسها من دون محور للحياة، ومن دون منزل، ومن دون مصدر دخل، وأحياناً من دون صك طلاق، وعليها أن تعيد تشكيل حياتها من جديد وتتأقلم مع الوضع المفاجئ، تفكر العودة لبيت أسرتها فتجد الوالد توفى، والوالدة تزوجت، والإخوان مشغولون مع زوجاتهم وتدبير حياتهم، وعليها إما أن تقبل لتصبح ضيفة غير مرغوب في وجودها، أو تتحول لمدبرة منزل من دون أجر، فيكفي أن تحيط بها أسوار بيت أحد إخوانها، وعليها أن تتحمل وتصبر فهي المسؤولة عن عدم استمرار الزواج، وهي مسؤولة بالطبع عن الطلاق!

وإذا افترضنا جدلية التمرد أو حقيقته، فهل يقبل الرجل في مجتمعي بشكل خاص وفي المجتمعات الأخرى في شكل عام، وهل يرضيه أن يعلم أن سبب بقاء امرأته معه هو حاجتها الاقتصادية فقط؟

هل فعلاً استغناء المرأة اقتصادياً عن الرجل يجعلها تستغني عنه وتتمرد عليه، وكيف يفسر لنا وهو المصلح الاجتماعي والضليع في المشكلات الأسرية الحقيقية، حقيقة تخلي بعض الرجال عن واجباتهم الشرعية واتكالهم بالكامل على راتب امرأة!

ونصائح البعض منهم إن لم تكن الغالبية بالصبر وعدم الإثقال على الزوج، ما دام يتركها تعمل حتى ولو كانت بعملها هذا تغني نفسها عن سؤاله، وتعيل أطفالاً هو المسؤول عنهم شرعاً. وعدم سؤاله أيضاً إذا ما رغب في التعدد لأن هذا حقه الشرعي، حتى وإن لم يكن يقوم بأداء واجباته الشرعية نحو أطفال أنجبهم، وزوجه لا يصرف عليها ولا يهتم بها؟

هذا الكائن الذي يحمّله هذا المسؤول وغيره كل آثام وتركات الحياة الزوجية، بل ويتفنن البعض في تشويهه لدرجة جعل مطالبتها بحقها في الذهاب لعملها بكرامة سبب رئيس للطلاق، وسبب رئيس للتمرد، وسبب رئيس للاستغناء عن زوج حتى ولو كان هذا الزوج زوج على الورق فقط. ألم يئن الأوان أن ننظر بعقلانية لبعض الأمور من دون أن يُحمّل كائن واحد كل هذه الآثام؟

*نقلاً عن صحيفة "الحياة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.