.
.
.
.

التحرُّش .. دراما تدمير الذات

محمد العباس

نشر في: آخر تحديث:

ما تسرب من مشهد التحرُّش المشين أمام بوابة مجمع الظهران لا يوجد فيه أي ملمح للغزل أو الرومانسية، بقدر ما فيه من العدوانية.
فالتحرُّش فعل جنسي مرتبط بالعنف ولا علاقة له بالعاطفة على الإطلاق. وهو ليس نتيجة طبيعية للكبت، كما يشاع، لكنه يستخدم كسلاح ذكوري لإذلال المرأة والتقليل من قيمتها. كما تتضح هذه النتيجة في الحروب والكوارث، بدليل أن بعض الفئات الفائضة بالذكورية هددت من تتجرأ على قيادة سيارتها بالاغتصاب.

هذا الفعل السيئ لا يصدر إلا عن مخلوق مازال يُبقي في داخله على الكثير من الهمجية. الأمر الذي يعني أن أولئك المستهترين بكل القيم ما هم إلا فئة تحط من قدر المرأة، من خلال ترويعها، حيث يفصح مشهد المشاجرة بين الشباب والشابات عن عبثية مستفزة.

ويمكن لكل من شاهد اليوتيوب أن يتوقع أن الأمر لن يصل إلى أكثر مما شاهدناه، ولن تتجاوب الفتيات لا مع تهديداتهم ولا مشاعرهم المنفلتة.
ولا أشك أبداً في أن البحث الجنائي قد توصل إلى نتائج دقيقة، ومعلومات تفصيلية عن الحادثة المخجلة، سواء فيما يتعلق بالشباب أو الشابات، وأن تلك الذئاب البشرية التي فردت عضلاتها على النساء المذعورات تحولت أمام المحققين إلى أرانب مرتعدة، لأنهم وجدوا أنفسهم معزولين ودون ذلك الوهم الذين دفعهم للتحرُّش بالبنات وضمان الإفلات من العقاب.

لقد تواردت الأخبار الجيدة التي تفيد بالقبض على ذلك الفصيل المستذئب، وإحالتهم إلى الشرع، وما كانت زيارة أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف للمجمع إلا رسالة بليغة بأن هذا الفعل لن يُسكت عنه، وأنه لا مجال للإخلال بأمن الناس والعبث بأعراضهم.

وفي المقابل تتوالى القراءات المتعددة للحدث، مع مطالبات بتشديد العقوبات على المتحرشين الذين صاروا يحتلون المشهد بأخبار تجاوزاتهم البغيضة. الأمر الذي يحتم وجود رؤية ثقافية تربوية تتماشى مع الإجراءات الأمنية للحد من ظاهرة التحرُّش، التي صارت عنواناً يومياً في حياتنا.

وهنا لابد من التنويه بكفاءة ووعي شرطة المنطقة الشرقية، التي تفاعلت مع غضب المواطنين وتمكنت من تحليل مقاطع الفيديو وتحديد هويات المتحرشين بعد تحريات واسعة وسريعة، لتحويلهم إلى هيئة التحقيق والإدعاء العام، ثم إلى القضاء، وهذا لا يعني أن القضية انتهت عند هذا الحد، بل سيظل الناس في حالة ترقُّب ومتابعة لحيثياتها إلى أن يروا تلك الوحوش تنال عقابها الرادع، فيما ستبقى ظاهرة التحرُّش ماثلة بقوة في المشهد كقضية أخلاقية مقلقة.

التحرُّش حالة عدوانية عنيفة، رمزية وجسدية، تنتشر في كل المجتمعات. والعنف لا يلجأ إليه الإنسان إلا دفاعاً عن نفسه. أو يأتي مصاحباً لجريمة أكبر كالاغتصاب.

وهناك مظهر ثالث ترتكبه ذات مريضة للاستمتاع وإرباك الضحية، وهذا الشكل بالتحديد هو ما ينطبق على حادثة مجمع الظهران.

فالقتالية التي أبداها الشباب كانت مبنية على فائض عضلي للفت الأنظار وتحويل البنات الخائفات إلى فُرجة.

هذا ما يسميه إريك فروم (دراما التدمير)، التي يوجدها الإنسان لنفسه عندما تخلو حياته من الإثارة، حيث يلجأ إلى افتعال ما يُدهش، ولو أدى ذلك إلى إيذاء الآخرين وتدمير نفسه.

المهم أن يستمتع بكونه موضوعاً للمشاهدة والتعليق والاختلاف والعقاب الاجتماعي.

بمعنى أن يضع نفسه في محل المراقبة التي تجذب انتباه الآخرين، كما تُشبع رغبته في إتلاف ذاته، وهذا ما حدث مع شريط الفيديو الذي شاهده أكثر من مليوني شخص خلال الأيام الخمسة الأولى للحدث المشين.

التحرُّش سلوك عدواني يختص به الإنسان المسكون بأوهام ثقافية منحرفة ضد المرأة، ولا علاقة له بظهور مفاتنها ولا بإغواءاتها، فهو وحش لم تهذب أخلاقه الأديان، ولم ترقّق أحاسيسه الفنون، ولا ترعبه القوانين.

إنه كائن يتلذّذ بقهر المرأة وإبقائها في خانة الخوف منه، لأنه لا يعرف أي متع حسّية خارج منطق عضلاته.

* نقلا عن "اليوم" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.