.
.
.
.

من المبادرة إلى الوعي

سمير الضامر

نشر في: آخر تحديث:

لدينا في المملكة العربية السعودية -حفظها الله- العديد من المبادرات العلمية والثقافية والاجتماعية، وهذه المبادرات لها أشكال مختلفة سواء ما يخص الجوائز، أو ما يخص العلمي والمعرفي في فنون وتخصصات مختلفة كالموهبة، والترجمة، والحوار، والدعوة، وتنمية الشباب، والنشر والمكتبات، وغيرها.

إن المبادرات ضرورة ثقافية وتنموية مهمة لنجاح ونهضة أي مجتمع لكن شريطة أن تخرج من عباءة الشعاراتية والشللية، إلى نسيج الشراكة الاجتماعية الحقيقية في بناء الوطن والمواطن.وهذه المبادرات مُحتضنة من قبل جامعات أو مؤسسات أو وزارات أو مراكز عامة أو خاصة، وبقدر ما فيها من قيم وطنية وتنموية، وبقدر ما فيها من إنجاز سنوي يصدر من خلال دليل مصمم بأجمل وأحدث التصاميم في عالم الكتب، إلا أنه ينبغي أن نطرح سؤالاً: هل حصر الأنشطة التي تقوم بها تلك المبادرات في أخبار صحفية أو أدلة توثيقية هو دليل نجاحها؟ وإذا كان الأمر كذلك فلا تخرج عن كونها شبه فاتورة تُصدَّر بالمدخلات والمخرجات والميزانيات العامة السنوية! وهذا يعد شأناً إدارياً من أجل التنظيم وإبراء الذمة، ولكن هل استطاعت المبادرات أن تتلمس نسيج الخطاب الثقافي والاجتماعي؟ هل استطاعت أن تلفت انتباه المجتمع لمحتوى مميز يستفيد منه معرفياً؟ هل ساهمت في إثراء الجانب التعليمي للشباب والشابات ولمختلف الأجيال العمرية في البلاد؟ هل ساهمت بالفعل في خلق مجتمع مدني يؤسس للوعي وصناعة الفرد الوطني المنتج؟.

هذه الأسئلة طرأت على بالي وقد قمت بعمل خريطة ذهنية لعدد من المبادرات، ورصدت العشرات منها على ورقة خاصة، وبمقدار ما توحي بالفخر في كثرتها وطموحها، إلا أن الأسئلة هي أهم كاشف لمسيرة المبادرات، وإخراجها من شأنها البيروقراطي، إلى احتياجات المواطن الحقيقي في الوعي والمشاركة الفعلية، وليس لأن يكون المواطن متلقياً ومتفرجاً، ولذلك فقد لاحظت عدداً من الملاحظات وأتمنى من أصحاب القرار وممثلي تلك المبادرات أن ينتبهوا لها بعين الاعتبار ومنها:

• بعض المبادرات لا ترقى - من ناحية الانتشار - إلى المستوى الشعبي والاجتماعي العام، بل هي في دائرة النخبوية والحزبية، وليس لديها أي سعة في مشاركة كوادر وطنية شبابية سواء بالتطوع أو بالانتماء الرسمي.

• هناك أهداف خفية لبعض المبادرات ومن أهمها أنها للحضور الإعلامي فقط، ولإثبات سلطة الانتشار في المجتمع الداخلي أو الخارجي، وربما هذا ناتج من خطأ إداري في تحقيق رؤية ورسالة المبادرة وأهدافها.

• بعض المبادرات ليس لديها استراتيجية بأن تكون مصدر وعي لإثراء المجتمع، وهي تعمل من أجل العمل ليس إلا، ويبقى الشأن الاجتماعي بعيداً كل البعد عن المشاركة والشراكة في تحقيق الجانبين الوطني والتنموي.

• أخبارها وتقاريرها تصدر من ذات الجهة المنفذة والمسؤولة، وليست من جهات خارجية لها اعتبارات رقابية، أو نقدية اجتماعية، ولذلك فتقع هذه التقارير في التحيز لموظفيها ومديريها، وتصدر بصورة مثالية غاية في المثالية، وربما تخفي السلبيات والعيوب التي تعتور نشاطهم.

• مشاريعها الداخلية الممولة مالياً لا يستفيد منها المواطن، بل بعض الموظفين والمسؤولين الكبار، ولي تجربة خاصة في البحث عن كتاب توثيقي تاريخي لإحدى المبادرات، حيث أفادوني بنفاد نسخ الكتاب، ومع الواسطة استطعنا كشف كذبهم حيث جلبنا عشر نسخ من ذلك الكتاب، ولو أردنا المزيد لاستطاع (الرجل/الواسطة) جلب المئات منها!.

• رؤيتها ربما تنص على أنها تساهم في تنمية المجتمع بينما واقعها العملي يقول إنها لتنمية من يديرون هذه المبادرات.

• سرية الإحصائيات والأرقام التي تصدرها هذه المبادرات، ولمن يريد الاستفادة منها لابد أن يقدم ما يثبت أهدافه العلمية أو الأكاديمية، وفي ظني أنها تحتاج لأن تكون مشاعة خاصة في عصر الانفتاح التقني اليوم.

إن المبادرات ضرورة ثقافية وتنموية مهمة لنجاح ونهضة أي مجتمع لكن شريطة أن تخرج من عباءة الشعاراتية والشللية، إلى نسيج الشراكة الاجتماعية الحقيقية في بناء الوطن والمواطن.

* نقلا عن "اليوم" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.