تصحيح أم غسل «فيز »؟

سامي الماجد

نشر في: آخر تحديث:

في المثل السائر: «أن تصل متأخراً خير من ألا تصل». ضياع الهدف يعني أنك لن تصل أبداً، لكن ثمة قلق أن أرجع إلى المربع الأول بعد أن وصلت وحققت الهدف.

الحملة على العمالة المخالفة تأخرت كثيراً حتى تفاقمت مشكلات أمنية واقتصادية، لكنها على تأخرها لاقت تعاطف الجميع وترحيبهم بعد أن صرخوا أعواماً عدة من فوضى العمالة وهروبها، واستقطاب السوق السوداء لها وضياع أموال طائلة لمواطنين جنوا الخسارة وتحميل المسؤولية من حيث أرادوا راحة البال واحترام النظام، فكان جزاؤهم ضياع أموالهم وجهودهم، وهروب مكفوليهم من دون أي ضمان أو تعويض.

الناس متفائلون بالحملة، ولكن يعكر هذا التفاؤل قلق يساورهم من وجوه، فأكثر ما يقلق هو أن تكون الحملة مجرد «حملة» لها أمدها القصير الذي تقف عنده ثم تموت وتصبح حديثاً من الذكريات، ولم يكن لهذا القلق من مسوغ لولا أن الحملة قد سبقتها حملات مشابهة، انتهت من حيث بدأت وكانت مجرد «ضوء سعفة» كما يقال، أسرع ما تكون اشتعالاً ثم أسرع شيء انطفاء. واليوم لا ترى العمالة المخالفة هذه الحملة إلا كطبيعة الحملات السابقة، ولذا رجعت تستخفي عن الأنظار مراهنة على الوقت، تكمن في جحورها لأمد قصير لا يجاوز بضعة أشهر، ثم ترجع إلى سيرتها الأولى بعد أن تموت الحملة من نفسها. وحتى لا نكون مفرطين في التفاؤل، فالمؤشرات لا تشير إلى تحقق هدف الحملة بالضرورة، فما نراه من محال مغلقة وما تعانيه بعض الشركات والمؤسسات من أزمة في بعض المهن والأعمال لا يشير كله إلى نسبة المرحلين إلى بلادهم من المخالفين، بل «بعض» ما نراه من أزمة نقص أو إغلاق لمحال تجارية لا يعدو أن يكون ظاهرة اختفاء، ثم ظهور ورجوع لممارسة معتادة، فهم اعتادوا مع هذه الحملات أن يراهنوا على الوقت فيكسبوا الرهان بخسارة يأتي تعويضها سريعاً.

منشأ هذا القلق الذي يعكر علينا صفو الفرح بالحملة، ما اعتدناه من حملات سابقة كانت طبيعتها أن تكون مجرد حملة ينقطع نَفَسُها قريباً.

هذا القلق يطرق عقولنا بتساؤل: لماذا تهمل الجهات المسؤولة عملها أصلاً؟ ما الداعي إلى هذه الحملات؟ أليست هي من صميم عمل هذه الوزارة أو تلك؟ هل يعني أنها كانت نائمة فاستيقظت يقظة لا ضمان لها، لأنها كانت على هيئة حملة تصحيحية؟ أين هي عن هذا التجاوز المتراكم لأعوام؟

كان الحزم في تطبيق النظام كافياً ومغنياً عن هذه الحملات التي ذاتها خلقت أزمات لن تمر بهدوء، لا أعني تعطش السوق فحسب، بل أزمات إنسانية واجتماعية وأمنية هي قطعاً ليست مقصودة في الحملة، لكنها غير مأمونة.

الأزمات لا تحل بالحملات الميدانية فقط، بل يجب أن تتوسع لمساءلة المسؤول عن ترهل النظام وضعف الرقابة على السوق والتهاون في منح الفيز وما نشأ عنه من سوق سوداء غير خافية على أحد. نحن متفائلون بهذه الحملة التصحيحية، ولكن يساوره قلق أن تكون الحملة مجرد خطوة في دورة طبيعية لما يسمى بـ«غسل فِيَز»! فيز بيعت وصُرّفت في السوق وقُبض ثمنها، ويراد لها أن تحترق وتنتهي، لتدور الظاهرة دورتها المألوفة مرة أخرى. تأشيرات جديدة تُصدر بتوسع غير محسوب لتغطية النقص في السوق، فيحصل الإغراق وتكتمل دورة غسل الفيز.

*نقلا عن "الحياة" الطبعة السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.