.
.
.
.

تكريم الفاسدين أسهل!

خلف الحربي

نشر في: آخر تحديث:

كل الكلام الذي يمكن أن يقال عن غرق الرياض مكرر وهدر لوقت القارئ لا يقل ضررا عن هدر الأموال العامة التي أنفقت على مشاريع الطرق وتخطيط الأحياء، سبق أن قيل الكثير من الكلام حين غرقت جدة مرتين وكذلك حين غرقت الرياض في وقت سابق ولم يتغير شيء، بل على العكس من ذلك حصل المقاولون الفاسدون على مشاريع جديدة وزادت ثرواتهم واستمر المخططون العقاريون يبيعون الأراضي في مجاري السيول واختبأت ميزانيات الصيانة في جيوب كأنها مصطفاة عن كل أنواع المسائلة.

لم يستقل أي مسؤول؟، ولم تصل أي لجنة تحقيق إلى نتيجة ملموسة حتى الآن؟، واستمرت اللعبة الطريفة حيث نشاهد صور العديد من المسؤولين ولابسي البشوت حين يفتتح جسر أو نفق جديد ثم يختفي هؤلاء جميعا حين يغرق الجسر بمجرد حلول فصل الشتاء!، بعدها يبدأ الجميع بالحديث عن كائنات افتراضية لا أسماء لها سرقت الأموال العامة وخانت الأمانة دون أن يستطيع أحد تحديدهم، تسأل: كيف يمكن تحديد مجموعة من الشباب تحرشوا بفتيات في مول تجاري وتصديق اعترافاتهم خلال أسبوع ويصعب تحديد من تسبب في إغراق مدينة كاملة رغم وجود العقود التي تؤكد مسؤوليته عن هذا الدمار الشامل؟، فلا يجيبك أحد، لذلك من الطبيعي جدا أن تغرق المدن مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى لو تغيرت أسماء الفاسدين لأن غياب العقوبة يعني ضمنيا مشروعية الخطأ.

لذلك فإن أفضل شيء يمكن أن تقوم به هيئة مكافحة الفساد اليوم هو إقامة احتفالية كبرى يتم فيها تكريم الفاسدين على اختلاف تخصصاتهم سواء كانوا في مؤسسات عامة أو مقاولين كبار أو الموظفين المكلفين بالرقابة ومنحهم شهادات التقدير على الخدمات الكبيرة التي قدموها للبلد وتشجيعهم على التقاعد من الفساد من خلال منحهم نسبة معينة من أرباح المشاريع القادمة شريطة أن لا يشاركوا بها بأي شكل من الأشكال، فقد فاض الكيل وطفحت الشوارع.

وبما أنه من المستبعد أن يسألوا عن الأموال التي (لهطوها) أثناء تنفيذ المشاريع السابقة فأنه من الأفضل أن يتخلل هذه الاحتفالية معرض للاستثمار يدلهم على كيفية استثمار أموالنا (الملهوطة) في قنوات استثمارية خارج البلاد كي لا يستغلوها في المزيد من الرشاوى وتمويل المشاريع الفاشلة، وهذا سوف يساهم بالتأكيد في هدايتهم وشفائهم من إدمان الفساد لأنهم لن يستطيعوا أبدا التلاعب بالمشاريع لأنهم يدركون أنهم سيعلقون من أرجلهم بمجرد تلاعبهم بالمشاريع الحيوية التي تؤثر على حياة الناس، وهكذا نكون قد ضربنا عصفورين بحجر واحد حيث سنتخلص منهم ومن جشعهم الذي لا ينتهي وكذلك سوف نساعدهم على الاستقامة والنزاهة والاستجابة لنداء الضمير.

لقد وصلنا للأسف الشديد إلى مرحلة لا تجدي معها المطالبة بمعاقبة الفاسدين المفسدين، ويكفيكم أن أحد المتهمين في كارثة سيول جدة طالب أثناء محاكمته باستعادة الرشوة التي دفعها لأحد الموظفين الكبار!، هل ثمة دليل أكبر من هذا على أن الفاسد واثق تمام الثقة أن (الدعوى سلامات)!... لذلك كرموا الفاسدين وعلموهم أن القناعة كنز لا يفنى فقد يكون هذا هو الحل الوحيد لمواجهة طوفان الفساد الذي أغرق كل شيء.. حتى الرغبة في إدانة الخطأ !.

*نقلا عن "عكاظ" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.