.
.
.
.

لن أئد بناتي

حمزة بن محمد السالم

نشر في: آخر تحديث:

قبل خمس سنين تقريبا، أيقظتني لصلاة الفجر قبلة على جبيني من ابنتي التي لم تستطع أن تنم تلك الليلة، بعد أن تلقت خطاب قبولها من جامعة هارفرد. فما أن فتحت عيني حتى قالت «بابا، انقبلت في هارفرد، حتخليني أروح أدرس فيها على وعدك اللي وعدتني؟» وكانت تشك في صدق وعدي هذا، ولم لا وهي أنثى وليست ذكرا، وهي ترى وتعيش العقلية الاجتماعية الغالبة حولها! (وكنت قد اشترطت على أبنائي كلهم، أنني لن أسمح بابتعاث أي منهم إلا بشرط أن تكون الدراسة في أحد الجامعات العظمى النخبة في العالم، وإلا فجامعة الأمير سلطان فيها خير وبركة).

تذكرت ذلك الصباح، وأنا أحضر مؤتمرا في هارفرد للطلبة العرب. وقد كان غالب المتحدثين وأكثرهم براعة مهنية وجودة خطابية هم من البنات. وقد كانت غالب الدول العربية حاضرة ما عدا السعودية، فلم يمثل بلادنا أحد من بناتها. فهل عقمت رحم بلادنا من سعوديات قادرات على أن يتألقن ذكاء وعلما وخطابة في المحافل العلمية العالمية، مثلهن مثل شبيهاتهن من الدول العربية والإسلامية، فضلا عن دول العالم؟. وأقول لا، لم يعجز رحم بلادنا على إنجاب المئات بل الآلاف منهن، ولكن قد وأدتهن تقاليد اجتماعية بالية ظالمة جعلت من الأب والأخ يفترض -ضمنا- سوء الظن بابنته وأخته فيمنعها من البعثة. ولو صدق في تدينه، إن كان قد فعل هذا تدينا، لكان منعه لابنه الذكر من السفر من باب الأولى، فالأنثى أجبن وأعقد وأصعب عاطفة وفطرة من أن تنزلق في هذا، ولذا فهي أبعد عن الفتنة وعن هذه التهمة من الذكر بمراحل فلكية، أو «تزني الحرة يا رسول الله»!!. عجيب كيف أصبحت ثقافة تفترض أن بنات المسلمين والعرب أسفل نساء العالمين، فهن لا يصمدون لإشارة ذكر، ولا لفتنة أو شبهة أو رغبة إلا بوجود رقيب وسجان، !!! فما أشبه وأد اليوم بوأد الجاهلية.

والعرب في جاهليتهم فيمن وأد البنات، لم يظنوا في نسائهم سوءا، بل كان حرصهم عليهن هو بسبب انعدام الأمن والاسترقاق. فكان الخوف هو أن تجبر المرأة جبرا لا اختيارا. وهذا بعض ما أشار إليه بعض خطاب الشيخ محمد بن إبراهيم، مفتي الديار، لأولياء أمر هذه البلاد ينهاهم عن السماح بعمل المرأة ويبين الفرق بين الذكر والأنثى المسبب لمنع الأنثى والسماح للذكر، وذلك في قوله - رحمه الله- كما جاء في المجلد العاشر من الفتاوى «فهو فاعل وهي مفعول به. وهو زارع. وهي حقل زراعة تبذر فيه النطفة كما يبذر الحب في الأرض، وهذا محسوس لا يمكن إنكاره، لأن آلة الازدراع مع الرجل، فلو أرادت المرأة أن تجامعه لتعلق منه بحمل وهو كاره فإنها لا تقدر على ذلك ولا ينتشر إليها، بخلافه، فإنه قد يحبلها وهي كارهة».

وهذه الفروق وهذا الطرح قد تشرح بعض من أسباب وأد البنات في الجاهلية عندما كانت العرب قبل الإسلام تعيش في عالم بربري متوحش لا تحكمه أي قوانين، وكانت هناك مخاطر الخطف والاسترقاق. وقد يصح هذا الطرح اليوم على المناطق البربرية والتي تخلو من النظام والأمن، فيقع الإجبار فيكون هناك «فاعل ومفعول به». أما الوضع في بلاد هذه الجامعات والمحافل العملية العريقة، فهو ليس كالوضع عندنا أو في غالب البلاد العربية. ففي تلك البلاد تحمى المرأة قانونيا واجتماعيا، فكل فرد في المجتمع رادع ورقيب، فلا يتجرأ أن يتحرش بها أحد مطلقا وخاصة في الأماكن العامة، والنادر لا حكم له ولا يخلو منه الحطيم وزمزم ولم تخلو منه طرقات المدينة في العهد النبوي.

اجتمع لي في فترة واحدة، عدة أبناء وبنات يدرسون في أمريكا، فيحدث أحيانا ونحن في مجلس العائلة الكريمة، أن يسأل أحدهم عن ابني الأكبر فأقول هو على خير بمنة من الله وفضل، فيسألني عن ابني الأصغر، فأقول هو على خير بحفظ الله ونعمه، ثم لا يسأل أحدهم عن البنت وهي الوسطى، وهي المتألقة على إخوانها الذكور - وهم وإن كانوا من النجباء وفي أرقى الجامعات- إلا أنها فاقتهم في كل المجالات، من مستوى الجامعة إلى قيادة المنظمات الطلابية في هارفرد، إلى رئاسة مراكز وأقسام تعليمية تطويرية إلى الامتياز المتواصل في جميع المواد. فأقول وماذا عن البنت لم لا تسألون عنها، وهي الأولى بالسؤال، لتميزها المشرف. فتصدر هناك بعض الهمهمات، التي تعني بالجملة السؤال عنها. وقد يكون هناك زائر فضولي، فيتساءل، أأبنته تدرس في أمريكا؟؟ فيتبرع أحد أفراد العائلة المشفقين علي فيبادر بالجواب «إي إي مع أخوها» فأتدخل موضحا الأمر فأقول لا ليست مع أخيها. فيبادر القريب المشفق فيقول «إي إي أخوها قريب منها» فأتدخل مرة أخرى فأوضح قائلا: لا، ليس أخاها بقريب منها، ولم هي في حاجة لأخيها وهي تقود منظمات وترأس لجان في أعظم تجمع لأذكياء العالم ؟..... كم هو عجيب أمر قومي!!! لن أئد بناتي لأن بعض قومي وأد بناته.

نقلاً عن صحيفة "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.