الحرب على الماء والغذاء

يوسف المحيميد

نشر في: آخر تحديث:

في بلد غني بالموارد الطبيعية، واحتياطي عالي من البترول والغاز، وقدرة معقولة في الصناعات التحويلية، ومن ثم ميزانية سنوية ضخمة، كيف يمكن لها أن تواجه مأزقين أساسيين، تواجههما معظم دول العالم، وتعاني منهما، ومن بينها المملكة، وهما الأمن المائي، والأمن الغذائي، وهما جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني في البلاد.
لا يخفى على المتابع أننا نعاني من شح المياه الجوفية، والمخزون المائي منها في تناقص مستمر، لسببين هما نقص معدل كميات الأمطار، وفي الوقت ذاته الاستخدام الجائر للمخزون في مجالات زراعية تتطلب الكثير من كميات المياه، كالأعلاف وغيرها، بما لا يتناسب مع الأهمية الاقتصادية هذه المنتجات الزراعية.
وأمام ازدياد عدد سكان العالم بشكل عام، وأمام نسبة النمو السكاني العالية في المملكة بشكل خاص، لابد من البحث عن طرق وبدائل تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، كاستغلال الأراضي الصالحة للزراعة، ذات المخزون الوفير من المياه، خارج البلاد، والاستثمار فيها، وذلك لتحقيق المخزون الإستراتيجي من الغذاء لصالح المملكة في حالة النقص الحاد، والذي سيصحبه حتماً معدلات تضخم عالية في الأسعار، كما يحدث نسبياً في الوقت الراهن.
في مثل هذا الاتجاه إلى الاستثمار الزراعي الخارجي، يتحقق للبلاد عدد من المصالح، أن يتم استثمار أراضي جاهزة ومهيأة للزراعة، لا ينقصها سوى رأس المال، والاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة هناك، وتقليل استقدام العمالة الزراعية، وكذلك كسب المزيد من العلاقات الثنائية الجيدة مع كثير من الدول الزراعية في العالم.
وهذا الأمر لا يعني التقليل من جهد الشركات الزراعية الوطنية التي أصبحت علامة بارزة في الاقتصاد الوطني، لكن هذه الشركات أيضاً تستطيع أن توجّه جزءاً من رؤوس أموالها للاستثمار في الخارج، في المجالين الزراعي والحيواني.
ليس من المعقول أن تبلغ فاتورة استيراد الغذاء أكثر من سبعين مليار ريال سنوياً، وهي مؤهلة للزيادة المستمرة مع ازدياد حجم السكان في المملكة، دون أن يتم العمل على إنشاء مخزون إستراتيجي من الماء والغذاء، يسهم في تحقيق الموازنة بين العرض والطلب في مجال الغذاء، من أجل الحفاظ على الأسعار عن مستوى مقبول، والحد من التضخم المستمر في أسعار السلع الغذائية.
لابد من الاستثمار في الدول التي تحظى بتربة صالحة للزراعة ووفرة المياه، خاصة إذا علمنا أننا نسير بسرعة وعشوائية نحو القضاء على موارنا المائية الشحيحة وغير المتجددة، فخلال ربع قرن تقريباً قفز عدد آبار المياه من ثلاثين ألف بئر مياه إلى ما يقارب مائة وواحد وعشرين بئراً، وقفز إنتاج القمح من اثنين وأربعين ألف طن، إلى مليونين ونصف المليون طن، بما يعني استهلاك جائر للمياه الجوفية غير المتجددة!.
علينا أيضاً أن ننصرف للزراعة التي لا تستنزف الموارد المائية النادرة، كما في قطاعي الدواجن والأسماك، بدلاً من اللحوم الحمراء، وكذلك تطوير آليات عمل البيوت المحمية التي لا تستهلك الكثير من المياه.
كيف يمكن أن تعمل وزارة الزراعة على هذه الآلية، وكيف تشجع الاستثمار الخارجي في المجالين الزراعي والحيواني، وهل هي قادة على ذلك، أم أنه لابد من تكاتف الوزارات والهيئات الحكومية، وتعاونها مع القطاع الخاص، لتحقيق الخزن الإستراتيجي، وتحقيق الأمن الغذائي لبلادنا؟ أعتقد أن هذا ما يجب تحقيقه، خاصة إذا أردنا الانتصار في حروب الماء والغذاء في المستقبل القريب!.


*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.