الغباء المبرمج
من الواضح أن الإنسان أصبح أداة في قبضة التقنية، ولذلك تفاقمت المجتمعات المعاصرة في علاقتها مع الاستهلاك التكنولوجي، الذي صرف الكثير عن جدلية العقل، وأخذته بعيدا إلى الجدلية السلبية، حسب ما أفاد به "تيودور آدرنو" الذي أسس مدرسة فرانكفورت، وعمل بحوثه الاجتماعية، بمعية "هور كايمر" بعد أن كشف عن آليات الهيمنة والاغتراب الجديدة، التي قادت المجتمعات إلى إدارة تنميط، وبرمجة كليانية، بمعنى رؤية شمولية عن المجتمع، وانقلب فيها العقل إلى تقنية وحساب في خدمة المصالح الخاصة للطبقة المهيمنة في العالم، ثم إن هذا الانصهار جعل العقول تقوم بدور الآلة التي لا تتوقف إلا تحت سيطرة برمجة تكنولوجية بحتة.
فلم نعد نرى طفلا يفكر إلا وفي يديه جهاز ذكي ينبض بشعوره ويبرمج تصرفه ويؤول أمره إليه، ومنفذا لأوامر التقنية بلا حسيب أو رقيب، يكتب لكل حكاية نهاية سعيدة، ويرسم صورا لحلم طفولي على الشاشات لن يجدها على أرض الواقع، ما يكثف الجدل السلبي في داخله، كما ذكرنا نتيجة دراسة سابقة، وتجدر الإشارة هنا لما يقوم به الخطاب الجماهيري، وما تعرضه وسائل الإعلام، فيستحضر كل فرد الدور الذي تقوم به هذه المبتكرات التقنية.
إننا نقطن في مجتمع استهلاكي تقني من الطراز الأول، نشتري كل حديث، ونستورد كل جديد، ولا يهم كيف تم تصنيعه أو ما هي مركباته أو أجزاؤه، نهتم فقط بالشراء، فيملك معظمنا نشاط الأجهزة الذكية، كمقتنيات شخصية تكمل نواقص الشخص بذاته، وتشحذ الدور الداخلي لكل عقل، ولا يكاد يتوقف عن التفكير إلا عندما تنتهي بطارية أجهزته.
إن السؤال الملح والضروري الذي يستدعي بل يتطلب إجابة وافية شافيه: (هل يملك الفرد في المجتمع الاستهلاكي قدرة وإرادة حقيقيتين يتفاعل بهما مع التقدم التقني..؟)
سؤال من عدة أسئلة ذكرها "تيودور آدرنو" في كتابة "الجدلية السلبية" وحريّ بنا الإجابة عنها بلا تردد، لنفسح المجال إلى حاجات أخرى معبرة، تسدد لنا الديون المعرفية التي اقترضها الكثير مقابل أجهزة يجهل تأثيرها السلبي على الحشود بداخله وتحويلها إلى عزلة.
فالغباء المبرمج هو إشارة إلى ما يقوم به الجمهور تجاه تأثير التقنية على العقول والأذواق، وتغيير الخطط التي غيرت وعي القرار على مستوى مادي وروحي ونفسي، حتى إن وسائل الاتصال أخذت الناس من التواصل الايجابي إلى أحادية لا تخدم إلا مصلحة فرد بعينه، حيث إن البنية الراهنة للاتصالات تميل إلى جنون الاستهلاك بلا مراقبة، أو سلطة تبحث أسباب الانقياد الأعمى، الذي أفقد خصوصية المعنى من أصالة نظامها وقيمتها وتأثيرها على الحياة.
والحقيقة تكمن في تغيير الوضع الاجتماعي من تكريس سلبي إلى آخر مهني إيجابي، لئلا تعيق التقنيات أفكارا وقضايا تهم صميم الحياة ومفهومها.
لقد أصبح لدينا أساتذة تقنية وليسوا تقنيين، وعلماء بلا علوم، وشعراء بلا قواعد لغة وشعر، تحول كل شيء حولنا إلى فرع أكاديمي، أشياء كثيرة فرضها النمط المنهجي بلا أدنى تطور، لذلك التقنية السائدة في أيدينا شكلية فقط، وذات مظهر ارستقراطي، فاعتمد معظم الناس على المنظر والمثقف والمصلح، لأن الطموح خيب الآمال، وحدد معيارا لا يشاطر التطور الحقيقي إلا في أجزاء متفرقة منه.
نقلاً عن صحيفة "الرياض" السعودية