.
.
.
.

يا أبا الشباب... هنا كندا

ثريا الشهري

نشر في: آخر تحديث:

في الشهر الذي انقضى أصدرت محكمة كندية حكمها بالسجن 18 شهراً مع وقف التنفيذ على طالب سعودي يبلغ عمره 26 سنة، غير تغريمه مالياً وسجنه شهراً في الإصلاحية، وذلك عقب إدانته بأربع تهم، فما هي؟ التهمتان الأولى والثانية ترتبطان بالاعتداء على فتاة، والأخريان تخصان رفضه المثول للشرطة بالخضوع لاختبار فحص الكحول، وأمر المحكمة بالامتناع عن تناول الخمر. وذكرت الصحف المحلية في كندا تفاصيل ما وقع للسعودي كما جاء عن صحيفة «كيب بريتون بوست». ويبدو أن الطالب فوجئ بجدية القانون في التعامل مع فتاة يعاكسها، فأشار محاميه إلى أن موكله قد تلقن درسه بالفعل وكان قاسياً، وذلك في ما يتعلق بأسلوب التواصل مع الفتيات ويكون مقبولاً في كندا. الأمر الذي يختلف جوهرياً عما اعتاد عليه قبل مجيئه إلى كندا، والكلام لا يزال للمحامي، مضيفاً أن الشهر الذي قضاه الشاب في الإصلاحية كان كافياً لإفهامه وردعه. والحبكة في القصة يلخصها السؤال الآتي: ما هو الشيء الذي اعتدت عليه بالضبط «يا أبا الشباب» في بلدك ووجدته غير في كندا؟

الفتاة إذا خرجت من بيتها في حيِّنا العربي فهي المشاع ولا أقل من مشاع. وتكون عرضة للمعجب والمريض والمهووس وقليل الحياء والأدب و«الطينة» وزد من تشاء، ولا قانون واضحاً وصارماً يحميها، ويريح المعاكِس من مشاورة عقله، فإذا صادفها الموقف وابتليت بمن يضايقها، فمن الطبيعي أن تتلفظ عليه، أو تتركه في حاله لعله يمل ويتركها في حالها أيضاً. ولكن شابنا الفحل يجدها صعبة على ذكوريته، وربما على مكانته الشكلية بين أصدقائه ومرافقيه. فإذاً لا بد من تكرار المحاولات، فكيف يبرر الإلحاح من قبله؟ بتمنّع الفتاة وهي راغبة. أي مجرد «ثقل» من جانبها كي لا يظنها سهلة المنال، ولكنه الصياد الذي لا تعييه الحيل وسينقض على الفريسة في اللحظة المناسبة، فهل خطر على بال الغرّ أن من الفتيات إذا قالت لا فلأنها فعلاً اللا. بلا مناورات وبلا أية خطط مسبّقة، فلم لا يمكنه التمييز والتعايش مع «اللا»، فيعود أدراجه من حيث أتى؟

الظاهر أن رفيقنا السعودي في كندا أحب أن يطبّق صولاته وجولاته في أسواقنا وشوارعنا، ومن المِلْح ما يُلح. فقبض الشرطي الكندي الكئيب على المليح ولم يمهله فرصة «للتميلح». فكم خسرت بنات كندا بتفويتهنّ التعرّف على تراثنا الثقافي مع النساء؟ أمّا بالنسبة إلى شرب الخمر ورفض الانصياع للأوامر فأعتقد أن شهر الإصلاحية قام بالواجب في نفض البقية العالقة في عقل السعودي، التي حالت دون وصوله للمعلومة التي تقول: أنت هنا في كندا حيث القانون الحاسم فلا تقترب من فتاة إلا برضاها. فأنت يا ظريف الطول لست في بلدك حيث تلام امرأتكم في لائها ونعمها، كما لا تتدخل الواسطة في أمرك حتى لا تخضع لاختبار الكحول، أو يمرر لك التهاون في شربه إن حكمت عليك المحكمة بالامتناع عنه.

وعليه أسأل: ترى ما حكم المحكمة في كندا لو كان السعودي مع زميلين له قد لاحقوا سيارة أخرى وتسببوا في انقلابها من فوق الجسر ووفاة من فيها؟ لأن حادثة من هذا النوع وقعت في شوارعنا ولا نزال محتارين في توصيف التهمة التي ينبغي أن توجه إلى المتسببين. أهي تهمة القتل العمد، أم شبه العمد، أم خطأ تسبب بالحادثة ومعه دفع الدية وإقفال الملف؟ فبدافع من الفضول كان بودي أن أتعرف على تكييف القضية في قانونهم الوضعي، إذا كانت معاكسة الفتاة عندهم لها بند وعقوبة.

كلمة أخيرة وتخاطب الرجل العربي والسعودي بالتحديد، فحين تصدك المرأة فلا داعي كي ترضي غرورك ويوهمك خيالك الخصب بوجود غيرك في حياتها، وإلا - وبقراءتك الألمعية - لم تكن لتوفِّرك. كما لا داعي أبداً أن «تبهِّر السالفة» وتأخذ راحتك على حساب سمعة المرأة وشرفها فتتوسع في التقوّل عليها. هي قالت لا ومضت في سبيلها، فامضِ أنت في الاتجاه الآخر ولا تحوِّر الموضوع إلى تحدٍّ شخصي يحط من قدرك وقدرها.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.