.
.
.
.

الأبحاث الدوائية

محمد اليامي

نشر في: آخر تحديث:

عندما تحدثت عن موافقة هيئة الدواء والغذاء الأميركية على تداول عقار طبي يسعى لمكافحة فايروسات «الكبد الوبائي c»، والفرق بين ثقافة البحث هناك، وهنا، متطرقاً إلى شركات الأدوية، تلطف مصدر طبي أكاديمي أعتبره مرموقاً، لأنه يمارس الطب ويعلّمه في جهتين كبيرتين في المملكة، بالتواصل معي وانتقادي بأدب جم، إذ لم يكن واضحاً هل تركيزي على البحث العلمي، أم على الهيئات الدوائية وشركات الأدوية؟
كمهني متخصص وقريب أجد معه كل الحق، وكمن يحاول لمس هموم المجتمع، وبحث بعض قضاياه ربما أجد لنفسي عذراً في ضعف التركيز، وفضلت الحصول على رأي منه، أجده واقعياً كونه لا يريد من ورائه جزاء أو شهرة أو شكوراً، بقدر ما يروم مزيداً من النقاش في هذه المنطقة، وما سأورده من حديثه أتصرف فيه صياغة متمنياً ألا يؤثر ذلك نوعياً في الأفكار والمعلومات.
عندما نتحدث عن بحث طبي يتعلق بالدواء فهناك طريقان اثنان، الأول أن يقوم به أكاديمي مستقل بنفسه، هو صاحب النظرية أو الفكرة، وهذا نادر الحدوث لوجود المخاطر العالية، ولكلفته الكبيرة جداً، فيندر أن يتم ذلك، وتتحاشى المستشفيات والجامعات قدر الإمكان الدخول في هذا المجال بهذه الطريقة.
الطريقة الثانية الأكثر ممارسة وتداولاً هي تبني شركات الأدوية البحث، وهذا التبني للحصول على حقوق التصنيع، لكن هذه الشركات تظل بمعزل عن الرقابة والتحكيم، وهما المهمتان اللتان تضطلع بهما هيئة الدواء والغذاء في ذلك البلد، وبمعنى أقرب للواقع في تلك البلدان المتقدمة طبياً ودوائياً.
يجب على الباحث تقديم الفكرة، و«البروتوكول»، ثم يوظف فريقاً لا يعرف أي شيء عن الدواء لتتحقق الحيادية، ثم يتم اختيار المرضى وآخرين سليمين غير مصابين بالمرض، ويوقعواً جميعاً اتفاقات قبولهم بالمخاطر، وتبدأ رحلة الاختبارات السريرية عليهم التي تمتد أحياناً أعواماً، وهي بالمناسبة المرحلة التي تلي الأبحاث المعملية والمخبرية، وربما التجارب على الحيوانات.
رقابة هيئة الدواء تستمر حتى بعد فسح الدواء، وهي تقوم بأدوار مزدوجة، فهي أيضاً تشجع الأبحاث وتنشرها، وتضمن تحقيق كل معاييرها أثناء كل مراحل البحث والاختبارات السريرية.
المحصلة التي فهمتها أن الضعف يعترينا بسبب حداثة هيئة الدواء والغذاء لدينا، ثم بسبب تمسكها بإجراءات بيروقراطية ومعاملات ورقية أكثر من تمسكها بمبادئ البحث، ومراقبة المخاطر، وهي أيضاً تحاول قدر المستطاع البعد عن التجارب السريرية، وفي اشتراطاتها وطريقة عملها تجعل الباحث المسؤول الوحيد، ما يجعل القليلين الطموحين منهم يلجؤون للخارج. في موقع الهيئة لا يوجد أي بحث طبي أو سريري، والنظرة العامة إليه تعطيك انطباعاً بأنها مجرد حكومية، تنظم، وتأخذ الرسوم، بأقل قدر من المخاطر، وهي كما يقول أهل الكرة تطبق قانونها، لكنها لا تزال تتلمس طريقها نحو روحه، وإلى ذلك الحين سنفقد فرص بحث وتطور وتعلم كبيرة.
حتى نشجع شركات الأدوية، والباحثين، يجب أن تكون البيئة جاذبة، والرغبة صادقة في تحمل المخاطر، وأخذ زمام الرقابة، بدلاً من الركون إلى تفضيل فسح ما هو مفسوح من الغير.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.