عصرنة الخرافة
إذا كنت أريد أن أعبر بطريقة مجازية لوصف جلوسي المعتاد في مكتبي المنزلي أستطيع القول بأني أطل يومياً (تقريباً) من ثلاث نوافذ. العصر الحديث الذي أعيش فيه وأتمتع بامتيازاته التقنية والفكرية. والعصر الخليط الذي يعيشه كثير من الناس في العالم الإسلامي ولكي أتفهم واستمتع بهذا العالم الخليط ولكي لا أقع في فخ الإذعان له فتحت نافذة ثالثة أطل من خلالها على كتب التاريخ التي تصف الحياة في عصور الظلام الأوروبية.
اليوتيوب واحد من ثمرات الإنترنت وفي رأيي يعد من أهم ما اخترعه الإنسان. طبعاً (الإنسان الغربي) وليس كل إنسان. نحن لا شك شركاء في إنتاج المادة التي تملأ هذه الخدمة. في حال أكون غير راغب في العمل افتش في اليوتويب عن المواد المتدفقة فيه. أكتب في صندوق البحث أسماء عشوائية. كأن أكتب السعودية أو بريطانيا أو الفضاء أو المحاضرات أو الطب الخ. تلك الأمور التي تتشابك فيها الأشياء المتضادة. ضع كلمة طب أو علاج على سبيل المثال سيظهر لك آخر الاكتشافات الطبية أو الأدوية المتوفرة أو النصائح العلمية تزاحمها الشعوذة ومشتقاتها المختلفة. من أنتج الأولى بكثافة ومن أنتج الأخيرة بكثافة أيضاً. لا تخلو المنتجات الغربية في اليوتيوب من الخرافة أو الدجل ولكنها مفصولة بالكامل على العقل. لا يمكن أن ترى أستاذاً جامعياً في جامعة غربية محترمة يخلط العلم بالشعوذة أو ينزاح ولو قليلاً عن العقل في الوقت الذي تستمع فيه لدكاترة من جامعات إسلامية يقاتلون من أجل الاحتفاء بالخرافة وخلطها مع العلم بطريقة ماكرة.
كانت عمليات السحر والشعوذة وإخراج الجن وإعادة إدخالهم تقبع في أحياء المدن الفقيرة والمنزوية. كان كل الذين يعملون في هذا النشاط ( الإدخال|لساحر الإخراج\ الراقي) مدانين من الانتلجنسيا وأساتذة الجامعات بكافة طبقاتهم. في الرياض وهي من المدن التي لم تترسخ فيها مدارس للخرافة كالأولياء والكرامات وغيرها كانت الممارسة الخرافية تتفق مع الطبيعة الهامشية للناس الذين يعملون فيها بخلاف اليوم.
في الوقت الذي يبتعد فيه العالم الغربي عن الخرافة بشكل يكاد يكون قطيعة نهائية، فتحت الإنترنت باباً خطيراً على الغيبيات الغبية في العالم الإسلامي وفي المملكة على وجه الخصوص. أشبه ما يحدث في الإنترنت بتجارة السلاح. يصنع العالم الغربي السلاح ليحقق به مزيداً من مجده وأمنه وتقدمه وما فاض منه أو تقادم عمره باعه على العالم المتخلف وخاصة العالم الإسلامي ليقتل بعضهم بعضاً به. يمكنك أن تقرأ نفس المشكلة في اليوتويب ولكن بصورة أكثر خطورة وفتكاً. ينتج الغرب كل الأدوات والاستديوهات ويستخدمها في بث العلم والمعرفة (ستجد على اليوتيوب الغربي الجامعات والحوارات بين العلماء والمفكرين وآخر المخترعات والمكتشفات الخ) بينما في العالم الإسلامي ستجد قليلاً من هذا وكثيراً من البث الخرافي الذي يعيدك إلى العصور الوسطى الأوروبية بكل قيمها المظلمة. صراخ وإخراج جن وسحر وتعويذات وحروب دينية وطائفية وهجمة ضروس على التقدم والعلم والسلام والمرأة وتقديس رجل الدين والذي يزيدك ألماً أن تخصص مجموعة من من يغلفون أسماءهم بألقاب علمية كالدكتوراه يوظفون الاكتشافات العلمية لتمرير الخرافة. بعد أن قاتل كوبرنكس رجال الدين من أجل إثبات نظريته العلمية بهدف تحرير العقل جاء كوبرنكس العربي ليقوم بالدور المعاكس تماماً!
نقلا عن صحيفة "الرياض"