الشورى والامتحان التاريخي!

هاني الظاهري
هاني الظاهري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

إن صحت الأخبار والتسريبات التي تتناولها وسائل الإعلام بين فترة وأخرى عن قانون الأحوال الشخصية المرتقب في السعودية، فيمكننا أن نقول بكل راحة ضمير أن المجتمع السعودي بات على وشك عبور عنق الزجاجة نحو عتبة المجتمع المدني بعد أكثر من 70 عاماً من الاجتهادات الرسمية والحقوقية، لتحقيق ذلك من دون جدوى.

«الحياة» نقلت أمس الأول عن مصادر وصفتها بالموثوقة، البشارة المتمثلة في أن القانون الجديد سيتضمن مادة تحدد سن البلوغ لدى الجنسين بـ18 عاماً، إذ لا يمكن تزويج الفتاة القاصر حتى في حال موافقة ولي أمرها إلا بأمر قضائي إن كان عمرها يصغر السن المحددة بموجب القانون، وهذه بحد ذاتها خطوة نوعية مهمة جداً، فمآسي تزويج القاصرات التي يمكن تصنيفها ضمن جرائم الاتجار بالبشر شاء من شاء وأبى من أبى، ستتحول من فعل يشرعنه القانون ضارباً بعرض الحائط مواثيق حقوق الإنسان، إلى فعل مجرّم يعاقب عليه القانون، لكن السؤال المهم هل سيعبر هذا القانون مجلس الشورى بسلام؟ إذ تُشير الأخبار إلى أنه سيُعرض على المجلس، وكل الخوف أن يُحبط بالتصويت، ونعود آلياً إلى الدوران في الدائرة المفرغة ذاتها، بحثاً عن منفذ أو بصيص أمل يقودنا نحو مجتمع مدني متحضر، يحترم حقوق الإنسان، ويحمي بنات الوطن القاصرات من الانتهاكات «المشرعنة»، بسبب طمع أولياء أمورهن أو جهلهم بآثار الجريمة التي يرتكبونها بتزويج القاصرات، وهي أثار تصاحبهن طوال حياتهن كما يعرف الجميع.

خبر «الحياة» يشير أيضاً إلى أن أحكام القانون الجديد تناولت المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الأحكام، كما تضمنت إسقاط الولاية إلا في ولاية النكاح أي «وجود ولي للمرأة عند عقد قرانها»، إضافة إلى أحقية اشتراط الزوجة الطلاق عند عقد النكاح إذا تزوج الزوج من أخرى، بجانب تأكيد حق المرأة بالبقاء في منزلها بعد الطلاق، إذا لم يكن طلاق بينونة كبرى، أما الأهم من ذلك كله، فهو وصف العلاقة بين الزوجين بالشراكة، واستبعاد مصطلح القوامة «التي اقترنت بالتسلط وانتهاك الحقوق»، وهذا يعني في شكل واضح انتزاع حقوق النساء المصادرة سابقاً بمظلة «العرف والعادات والتقاليد» وإعادتها إليها، فهي حقوق أساسية لبناتنا وأخواتنا لا مساومة عليها، وكفلها الشرع، وكفلتها مواثيق حقوق الإنسان الدولية. ولذلك، فإن التراخي في إعادة هذه الحقوق إلى النساء يُعتبر تمييزاً واضحاً ضدهن، وهو أمر لم يعد مقبولاً في العصر الذي نعيش فيه.

والحق يُقال إن أعضاء مجلس الشورى اليوم أمام امتحان تاريخي مفصلي، فإما أن يسهموا بأصواتهم وضمائرهم في دفع عجلة المجتمع نحو المدنية والحقوق أو يقفوا عائقاً صلباً أمامه «مرحلياً»، وأقول «مرحلياً» لأن مثل هذه القوانين والأحكام لا بد أن ترى النور اليوم أو غداً أو بعد غدٍ، فعجلة الزمن لن تتوقف، ولا يمكن لأحد في هذا الكوكب تغيير وجهة التاريخ إلى الخلف في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم أجمع، وكل الظن أن أعضاء الشورى يدركون ذلك تماماً.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة