.
.
.
.

الحارة السعودية.. ثقافة مجتمعية تلاشت أمام ثورة التمدن

ظلت لسنوات طويلة قادرة على خلق حالة اجتماعية حميمية بين السكان

نشر في: آخر تحديث:

تسببت ثورة التمدن وثقافة السكن الجديدة، في تلاشي ثقافة "الحارة" في الكثير من المدن السعودية، فلم تعد الأحياء الجديدة تعترف بالحارة التي ظلت لسنوات طويلة قادرة على خلق حالة حميمية بين قاطني الحي من صغار ورجال ونساء، حيث تشابكت عبرها حياتهم اليومية في جدائل من الفرح والحزن، وسائر أحوال الحياة الإنسانية.

وكانت الحارة هي الميدان الذي يستوعب كل فعاليات سكان الحي، حيث يمارس الأطفال والشباب هواياتهم وألعابهم، فيما كان كبار السن يجلسون مع بعضهم لتبادل أطراف الأحاديث، ومن دكاكين الحارة المتواضعة تخرّج التجار الشطار، وبدأوا رحلة الألف ميل إلى عالم الشركات والمؤسسات.

ذكريات حارة

"إذا خرجت من الحارة أضيع".. هكذا بادرنا العم أحمد الجدعاني "65 عاما"، حديثه عن سنوات عمره، التي قضاها بين ربوع حي الهنداوية بجدة، حيث نسج في شوارعها عالمه الخاص الذي لا يزال يحن لرموزه القديمة وذكرياته، لم تختطفه ثورة التمدن وتمسّك بحارته في أوج الطفرة قائلا: "كنت أسكن في بيت أبي، وعندما توفي دفعت 200 ألف ريال لأبني دورا إضافيا، وكان هذا المبلغ يتيح لي فرصة بناء عمارة في ذلك الزمن، لكن البيوت القديمة تتحمل أكثر من البيوت الجديدة، يكفي أنها بنيت بإخلاص".

وأضاف الجدعاني في حديثه لـ"العربية.نت ": باب بيتي لم يكن يغلق ليلا أو نهارا، وليس هذا عنوانا للأمان، بل للتواصل المستمر، وأضاف "أذكر عندما دخلت المستشفى، تكفل جميع أهالي الحارة برعاية أسرتي، ولم يخلوا بيتي من الزوار، الذين كانوا في سباق حقيقي لدفع فاتورة أو تقديم مساعدة، لكن حاليا الكثير منهم غادر تاركين وراءهم ذكريات زمن جميل وبيوت مهملة يسكنها الصمت".

هندسة الشوارع

الاستشاري الهندسي، الدكتور نبيل عباس، قال إن المساحات الضيقة التي كانت تفصل الشوارع والبيوت في مجتمع الحارة، ساهمت في خلق حالة اجتماعية حميمية بين أهالي الحي الذين تشابكت حياتهم اليومية في الأفراح والأتراح، وتعززت من خلالها روح التضامن بين الجميع، حيث كان الأهالي هم أنفسهم حراسا للحي وأمناء عليه بشكل تلقائي.

وأوضح عباس، في حديثه لـ"العربية.نت"، أن مشهد البيوت المتلاصقة والأزقة الضيقة والشوارع المتعرجة، كان منظرا مألوفا في بيوت السعودية سابقا مع اختلاف طبقاتهم، إلا أن القوانين الجديدة للمباني والشوارع والتي جاءت مع سنوات الطفرة لم تعد تسمح بذلك، فتباعدت المسافات بين المنازل، كما أن السكن ضمن شقق ضيقة أو مجموعات متعددة في مبنى واحد، كان له انعكاس على سلوك الإنسان باعتبارها أحد المثيرات البيئية.

مركز الحي هو البديل

من جهته، يقول مدير مركز الأحياء بحي النسيم بجدة (غرب السعودية) الدكتور أحمد ميرزا، إن الأحياء والمناطق الجديدة، تفتقد كثيرا لمفهوم "الحارة" وما كان يتبعها من تأثير اجتماعي أسهم على مدى سنين في تكوين شبكة تضامن أهلي، عززت التواصل والأمن الاجتماعي، مشددا في حديث لـ"العربية.نت"، على ضرورة وأهمية تفعيل مراكز الأحياء في جميع المدن السعودية لتكون البديل الذي يستوعب السكان.

وأوضح ميرزا أن برامج مراكز الأحياء المتعددة والتي تهتم بالمجتمع والأسرة والشباب، من شأنها أن تحل محل دور "الحارة" ولكن بشكل عصري ومتمدن، من خلال برامج خاصة بالرجال وربات البيوت تسهم في توثيق الجوار، وتعزيز التآلف بين السكان ومساعدة المحتاج منهم، إلى جانب القضاء على المظاهر السلبية وتنظيم الأنشطة الرياضية المختلفة للشباب لاستيعاب طاقتهم في مسارب مفيدة ونقية، بحسب وصف ميرزا.