.
.
.
.

العنف ضد الأسرة والأطفال.. مخرج للمعالجة

مهنا الحبيل

نشر في: آخر تحديث:

تكرار أخبار حوادث العنف ضد الطفل والأسرة، يؤكد بقاء هذه الأزمة المؤلمة في الحياة الاجتماعية للسعوديين، وهي ذات شقين خطرين: الإضرار الكامل بصحة الطفل الجسدية أو النفسية، أو تهديد حياته أو دفعه لمكروه خطر عليه، وهي اليوم تتقاطر على المشافي السعودية أو عبر الإعلام، في صورة واسعة تحتاج إلى مشروع متحرك ومتفاعل مع المجتمع بمنهجية استراتيجية للوصول إلى حلول تُخفف من هذه الجرائم وتحرك أكثر من مسار لتطويقها، واستمرار تسجيل هذه الحالات يؤشر إلى أزمة متفاقمة لم توضع لها سكة الإنقاذ والمعالجة المطلوبة، التي تتشارك فيها ثقافة مجتمع وإعلام وسلطات قانونية وقضائية فاعلة ومنظمة بمجلة أحكام شرعية لقضايا الأسرة والطفل لا تتوقف عند تصورات محدودة لدى البعض، ولا تعطَل لدى اجتهادات شخصيات قضائية أو سلطات لم تعطها ما تستحق من الاهتمام. سجلنا سابقاً أهمية الدور الذي يضطلع به مشروع الأميرة عادلة لحماية الأسرة والطفل، من الاعتداء المطلق أو التحرش الجنسي أو الإضرار الذي يقع على الطفل، وتحدث الخبراء العاملين في هذا المشروع وغيره من الرعاية التربوية للأسرة ومواجهة العنف ضدها عن بعض القضايا والوسائط التي تستخدم من المذنبين تجاه الأطفال، لكن تعود الجرائم لتضرب المجتمع والأطفال مرة أخرى، وهذا يعني أن هناك إشكالاً في عدم قدرة هذه المعالجات على الحد من هذه الظاهرة العنيفة.

وهو ما يؤكد أهمية جمع الرأي العام السعودي على موقف موحد ضد هذه الظاهرة المحرمة شرعاً بكل صورها والتي تحمل ظلماً مزدوجاً لضعف الضحية وحصارها تحت أسوار المؤسسة المخترقة أو المنزل غير السوي، ولحجم الجريمة حين تنفذ ضد الأطفال والنساء وتنتشر وتؤثر في البناء الاجتماعي للأسرة من حيث صعود وتعاطي هذه الثقافة الخطرة وتسللها إلى النفس البشرية المتلقية للحادثة وبعضها لا تملك الرشد أو الحصانة الدينية والاجتماعية لرفض أو الامتناع عن هذه السلوكيات الإجرامية.

إن إحدى المصاعب الكبيرة التي تحول دون رفع الاهتمام بمثل هذه التحصينات المهمة والتشريعات القانونية الضرورية، هي سوء الفهم بين جمهور من طلبة العلم وبعض المشايخ للوضع القائم ولمشاريع المكافحة لها، وربط الوضع في ذهنيتهم بقضية اتفاق سيداو، الذي يتضمن بعض الإشارات إلى تشريعات تتجاوز مفاهيم الشريعة أو تناقضها، في حين قد تتفق بعض مبادئ الاتفاق مع خطاب الشريعة المُعلي لشؤون المرأة المحرّم للاعتداء عليها وعلى الطفل، والقضية هنا مختلفة وهو ما يجب أن ينفتح عليه الجميع فيقرأون ملف قضايا العنف ضد المرأة والطفل بعين مجردة تنطلق من إيمانهم بإنسانيتهم وبإسلامهم التكافلي المعظم لحدود الله والمجرم للظلم بكل أشكاله فكيف بالمستضعفين من النساء والأطفال.

ولذلك دعونا نجدد الدعوة لقيام حوارات اجتماعية خاصة بهذا الملف بين المشايخ ذوي الحضور في وجدان الرأي العام وبين المؤسسات الكبرى ومنها مشروع الأميرة عادلة، ليزول سوء الظن في كثير من هذه البرامج ويتوافق المجتمع على ضرورات الموقف الشرعي والوطني لهذا التحرك الاجتماعي في مسارات القضاء والثقافة والعمل التطوعي لضحايا العنف، وتُرفع قضايا الخلاف بعيداً عن هذه التوافقات المهمة كمسألة قيادة المرأة السيارة أو شكل وظيفتها، إن هذا الأمر سيكون مدخلاً مهماً لإطلاق مشروع شعبي رسمي نحو إقرار مسارات تعاطي وحماية وتقاضي للمظلومين وراء الجدران الخفية، وهو ما سيُحفز اهتمام المجتمع وقوة رصده، وبالتالي يستشعر المذنبون بخطيئتهم قبل إيقاعها، كما أن الأحكام العدلية الموثقة بفقه الشريعة في مجلة أحكام الأسرة بهيئة قضائية راشدة واعية ستطوق الخروقات القضائية في هذا المضمار.

إن هذا الملف يحتاج إلى رؤية استراتيجية تطلق في أكثر من مضمار، كما أن جزءاً من مسببات هذا الانحراف هي حال الاضطراب والصخب التي تجتاح الإعلام وتدفعه للتفكير الغرائزي، وكذلك غياب الرؤية الإعلامية والتربوية الموحدة لمواجهة هذا الانحراف، ولذلك فإن قناعة الرأي العام ووضوح الفكرة لديه إحدى المساعدات لضخ هذا المشروع، الذي يحتاج أيضاً من المؤسسات الرسمية الكثير من التواصل والانفتاح وإعطاء الصلاحيات بين مساراته المؤسساتية أو مجالات التطوع المدني، لصناعة مشروع وطني اجتماعي يحمي الأسرة والطفل وبناءهما الوطني

*نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.