.
.
.
.

الطفلة والبئر

عبد العزيز حسين الصويغ

نشر في: آخر تحديث:

قصة الطفلة لمى الروقي - رحمها الله - التي سقطت في بئر بوادي الأسمر في محافظة حقل بمنطقة تبوك، قصة محزنة بكل سلبياتها وبكل ما أنزلته من ألم على أسرتها، وعلى كل من تابع هذا الحادث المأساوي الذي تكرر على مدى السنوات الماضية بشكل أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه غير مُرضٍ. لكن لم تنته بعد ذيول الحادث الذي كشف عن سلبيات عِدة تداولها الإعلام .. ولم ينته أيضا ما يمكن أن نخرج به من عظات نستفيد منها لعدم تكرر مثل تلك الحوادث في المستقبل.
***
وقد ذكرني مشهد حادث الطفلة لمى بحادث سقوط طفلة في بئر في اليونان منذ أعوام لا أذكر عددها، حيث شاهدت بنفسي على إحدى الفضائيات عمليات الإنقاذ التي كان على رأسها رئيس اليونان بنفسه، الذي وقف مع بقية المشاركين في عمليات الإنقاذ على فوهة البئر حتى تم انتشال الطفلة. الفرق هو أن عملية انتشال الطفلة اليونانية تمت في عدة ساعات بينما لاتزال محاولات إخراج جثة الطفلة لمي مستمرة بعد أكثر من أسبوعين حتى الآن. ولا أريد أن أحكم على تأخير إخراج لمى حية، أو إخراج جثتها ميتة في وقت مناسب، فقد تكون طبيعة البئر هنا وجيولوجية التربة مختلفة في الحالتين، خاصة وأن هناك تجارب سابقة ناجحة للدفاع المدني أنقذ فيها حالات مماثلة لأطفال سقطوا في آبار في مناطق مختلفة في البلاد.
***
وإذا كان يُقال في الأمثال أن "رب ضارة نافعة"، فقد جلبت فاجعة الطفلة لمى - رحمها الله - معها، بكل تداعياتها المؤلمة، بعض النفع، أو الإيجابيات أهمها لفت النظر الى القصور الذي يعاني منه قطاع الدفاع المدني وضرورة دعمه بالكفاءات البشرية والفنية ما يمكنه من أداء مهامه على الوجه المطلوب، ومنها أيضاً التنبه إلى الأخطار المحيقة بعملية الحفر العشوائي للآبار، الذي جعل الجهات المختصة تمهل المزارعين أسبوعين لردم الآبار المكشوفة بسبب زيادة حوادث سقوط الأطفال والأشخاص فيها. ويبقى ضرورة سن قوانين رادعة للحد من الحفر العشوائي للآبار دون الحصول على تراخيص وعمل مواصفات خاصة لعدم ترك الآبار مكشوفة، وفرض غرامات وعقوبات صارمة على المخالفين، أو ضرورة تفعيل النظام إذا كان موجوداً بالفعل ولكن لايتم تطبيقه.
***
ولا يمكن إنهاء الإيجابيات التي جلبها حادث الطفلة لمى – رحمها الله – دون التعريج على الموقف الإنساني الذي أظهره الناس بكل طوائفهم ومستوياتهم والذي تبدى بالدعاء للطفلة بالنجاة، والترحم عليها عندما علموا بوفاتها. وقد كان لمواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية دور كبير في متابعة هذه المأساة والتعاطف معها والدعاء للطفلة وأهلها. وقد أطلق مغردون عبر “تويتر” حملة للإبلاغ عن الآبار المكشوفة التي تهدد حياة المواطنين في جميع مناطق المملكة. واستحدث المغردون (هاشتاق) يحمل عنوان (#حملة_الإبلاغ_عن_الآبار_المهجورة)؛ في تفاعل اجتماعي كبير بعد تكرار حوادث السقوط في الآبار الإرتوازية المكشوفة.
***
وأخيراً، يقال أن "الحاجة أم الاختراع" .. وربما كان من إيجابيات حادث سقوط الطفلة لمى – رحمها الله – هو ما قام به عشوان الدوسري، المختص في مجال الإطفاء والسلامة بمدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية، من تنفيذ اختراع لإنقاذ مثل هذه الحالات، يتضمن جهازاً يستطيع الوصول للأعماق بسهولة، ويتم التحكم فيه من الأعلى عن طريق جهاز تحكم ومرتبط بشاشات مراقبة. ومهما كان من أمر هذا الاختراع، فإن "مجرد التفكير فيه هو إنجاز مهم" في حد ذاته ... كل ما ينقصنا هو "اختراع" ما يمكننا من تفادي تكرار مثل هذا الحادث المفجع. نسأل الله الرحمة للمى، والصبر لأهلها.

• نافذة صغيرة:
[[الآبار المفتوحة أشبه بالألغام التي يزرعها العدو.. يتركها بعد نهاية الحرب.. لتصطاد الأبرياء..]] جمال بنون

*نقلاً عن "المدينة" السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.