وأد الذاكرة التاريخية

محمد المزيني
محمد المزيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

يبدو أنه لدينا قدرة خارقة جداً على وأد ذاكرتنا التاريخية بكثير من العدائية أو اللامبالاة، ومتى ما بحثت عن الأسباب أو المبررات ستجدها كثيرة ومترابطة، وقد لا تكون هي بذاتها على وجه التحديد، لأننا حقيقة نبحت عن أسباب مباشرة لهذا الجور المتعمد بوأد كل ما له علاقة تاريخية بنا، فبعضهم يحيلها إلى الجهل المطبق بأهمية الحفاظ على المراكز والمدارس التاريخية القديمة المرتبطة بأسماء رواد أوائل، كي لا يتداخل المعنى أو المفهوم، ويختلط بالآثار.

ما أقصده هي تلك الشواهد الحية على تاريخنا التي تحتفظ لنا بجزء من الذاكرة بقدر ما نحتفظ نحن بجزئها الآخر، ولكي أكون محدداً ودقيقاً في ما أعنيه، فسأسترجع معكم شيئاً من الأسى في ثانوية الملك عبدالعزيز التي أُنشئت 1355هـ، وكانت تسمى مدرسة تحضير البعثات، لتقوم وزارة التربية والتعليم بهدوء أعصاب بإزالتها من الخريطة المكانية والزمانية، وأزيلت قبل نحو 12 عاماً مدرسة اليمامة الثانوية التي أُسست 1373هـ، وتعد أعرق مدرسة في الرياض، وتخرج فيها عدد لا يستهان به من رواد الفكر والعلوم والطب والهندسة، ليستعاض عنها بحديقة منحت تكرماً اسم «الثانوية»!

في عسير أيضاً لم ينجح الأهالي بفرض إرادتهم على أمانة المنطقة لمنع إزالة «دوار القصب» التاريخي، أما المعالم التاريخية الأخرى في كثير من مناطق المملكة التي أُزيلت «عنوة» بحجج كثيرة كالتوسعة أو التزيين، تكشف عجز أمانات المناطق عن مضاعفة الجهد والتريث والبحث عن طرق مثلى للعثور على بدائل هندسية تحفظ هذه المعالم، وتصلهم بمآربهم من عمليات الهدم والإزالة، وستكون كل المعالم التاريخية لبلادنا عرضة لتحكمات الوعي المتخلف والجائر تحت سطوة الإدارات المتعسفة، حتى أصبحت مدننا تحمل وجوهاً لا نعرفها، أخشى ما أخشاه أن تخرج هذه المدن بهوية مختلفة لا تمت إلينا بحبل رفيع من الصلة، ونفقد معها كل الوشائج التي تربطنا به، ولو سألنا أنفسنا: لماذا تحرص كل الدول المتحضرة التي أخذت بأسباب الحضارة، وصعدت سلم المعرفة حتى وصلت إلى أعلاه؟

أقول: لأن هذه الدول تحرص حرصاً شديداً، لا يأتيه الشك أو التهوين من بين يديها ولا من خلفها، على الحفاظ على معالمها التاريخية، وتبذل لذلك الجهد والمال اللائقين بها، حتى لو كان هذا المعلم سيعترض مشروعاً حيوياً للمدينة، فمن يستطيع مقاومة الرغبة اللحوحة في زيارة منزل «شكسبير»، تحول إلى فندق تاريخي على الطراز الفيكتوري، أو المقهى الذي يحتسي قهوته فيه، لنتذكر مدينة فايمار الألمانية التي تحتفل بذكرى شاعرها «غوتة» سنوياً، وتقوم بفتح منزله أمام الزائرين الذين يتدافعون إليه بكثير من التوق والانشراح، بينما تقوم أماناتنا مشكورةً بتهديم كل ما يعترض مشاريعها من معالم تذكارية ومراكز تاريخية، قد لا أحتاج إلى استعراض مزيد من الأمثلة، ولكني سأتوقف قليلاً عند مركز الأمير فيصل بن فهد الثقافي في حي الفوطة الذي تم إحراقه عمداً على أيدي من وصموا بالمرض النفسي قبل ثلاثة أعوام، هذا المركز الذي يعد أقدم مركز ثقافي في المملكة العربية السعودية، له خصوصية ثقافية وفنية كبيرة، لا يمكن أن تمحوها الذاكرة يوم كان الفن والإبداع مشاعاً بين أفراد المجتمع على حد سواء، المركز الذي كان يشمل مكتبة عامة تضم 10 آلاف عنوان ومعرضاً دائماً للتراث الشعبي ومرسماً للشبان وآخر للأطفال، وصالة عرض للفنون التشكيلية وقاعة مسرح تتسع لـ700 شخص. قدمت على خشبته أجمل العروض المسرحية كقطار الحظ والمهابيل والكراسي، وكذلك السهرات الفنية المحلية والعربية، لم يحترم كل هذا التاريخ المسكون بالفن والإبداع والثقافة، على رغم إمكان انتشاله من كبوته وترميمه، إلا أن أمانة مدينة الرياض بوصفها المسؤولة عنه مباشرة، قامت بتطوير المنطقة المحيطة به، وتركته مرتعاً للقطط والحشرات وحاوية للقاذورات، الأمانة التي تبنت المسرح السعودي، وقدمت لنا منه الغث والسمين، تقف متعففة حتى عن محاولة إعادة تأهيله، خصوصاً أنه يقع في قلب العاصمة الرياض، محاطاً بمركز الملك عبدالعزيز التاريخي وحديقة الفوطة وبرج خزان الرياض، ويؤم هذه المنطقة يومياً آلاف من الزائرين والسياح، ومع ذلك لم يشفع حتى موقعه الاستراتيجي إن كانت الأمانة لا تأبه للتاريخ بالإفادة من وجوده في هذا الحيز.

ولهذا دلالة عميقة على أن أشياءنا الأقرب إلى ذاكرتنا ليست في أولويات الجهات المعنية المتشاغلة عن كل هذا بالتحديث والبناء والمشاريع ذات الأرقام الضخمة، فمن يفقد القدرة على استشعار قيم الماضي وموروثاته فهو عاجز لا محالة عن استشراف المستقبل.
نقلاً عن "الحياة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.