عطفنا على الآخر

عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في أيام الطفولة. كنا نسهر تقريبا كل ليلة على دكة بجانب ركية سيل. الركية هي حفرة عميقة بعض الشيء معدة لامتصاص السيل إذا فاض عن حده، واجتاح الحارة. لا أتذكر لها وظيفة غير هذه. ولأن السيل يغيب فترات طويلة تبقى هذه الحفر جافة ومهجورة ومرمى للنفايات. في احدى الليالي سمعنا مواء قطة. شعرنا ان نغمة المواء اقرب إلى النداء والاستغاثة. يشوبها شيء من الحزن. بعد دراسات طفولية سريعة تأكدنا أن القطة في الركية. حاولنا تبين الأمر ولكن الظلام كان دامسا في الحفرة. أرجأنا الأمر للصباح. في اليوم التالي هرعنا إلى الركية لا نلوي على شيء. شاهدنا القطة تجوب الحفرة الضيقة دون سبيل للخروج منها. عرفنا أن حياة القطة في خطر. إذا بقيت فيها فسوف تموت. اتخذنا قرارا جماعيا بمساعدتها. احضرنا كل شيء متاح دون فائدة. ثلاثة أيام متتالية في كل يوم نسرق من بيوتنا قطعة لحم ونضعها في سطل ونربط السطل في حبل ونلقي به. نأمل أن تقفز في السطل ثم (نزعبها). مع الأسف كانت تلتقط اللحمة وتقفز من السطل قبل رفعه. مسكينة اشتغل ذكاؤها ضد مصيرها. اضطررنا في النهاية أن نتولى رعايتها إلى أن تموت او يأتي الفرج.

بعد سنوات وبعد أن انتقل وعيي إلى مجال الأسئلة الكبرى طرأ على بالي سؤال: لماذا حاولنا مساعدتها؟ هذا السؤال لن يكون مفهوما إلا إذا سألت سؤالا آخر: ماذا لو كان الذي وقع في الحفرة ضبا مثلا، هل سنهب لمساعدته؟

لماذا نساعد القطة ولا نساعد الضب؟ لماذا نسحق الصرصار بأقدامنا دون أدنى درجة من التعاطف بينما نحزن عندما نشاهد كلبا تصدمه سيارة؟

هل إحساسانا الإنساني يقودنا إلى التعاطف مع حيوانات معينة دون أنواع اخرى، او أن الأمر يعود إلى التشابه في الألم أو في طبيعة التعبير عن الألم؟

تلاحظ أن هناك اتصالا بيننا، وبين نوع معين من الحيوانات. اتصالا مباشرا. معناه ان هناك شيئاً ما مشتركا بيننا وبينها. عندما تقتني ضبا لا يمكن أن تلعب معه او تمزح معه وعندما تخبر أصدقاءك بموته لا يسألك أحد عن سبب موته ولا يقدم لك احد أدنى درجة من التعزية ولكن عندما يعرف أصدقاؤك أن قطتك الصغيرة ماتت سيشاركونك بعض العزاء والحزن. حتى الحيوانات المتوحشة مثل الأسد أو النمر إذا ماتت في حديقة الحيوان يشعر مربوه والعاملون عليه بشيء من الحزن. بينما إذا مات تمساح لا يشعرون إلا بالخسارة المادية عليه. أي ان الحية أو الضب او التمساح مجرد ممتلكات فقط دون حراك عاطفي تجاهها. إذا نظرت إلى التركيبة الجسدية للحيوانات التي نتعاطف معها سنجد انها تختلف جذريا عن الحيوانات التي لا نشعر تجاهها بأي عاطفة. الحيوانات كالأسد والفيل والنمر والخيل والكلب سترى أنها قريبة من تركيبتنا الجسدية (الرئيسيات) . يبدو أن نظام الإنسان العاطفي مربوط بطريقة أو أخرى بتركيبة جسده. بيد أن هناك رأياً آخر.

نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.