الذّاكرة المحلية أكبر ميزة نسبية للسياحة

محمد حامد الغامدي
محمد حامد الغامدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

للمدن ذاكرة مثل البشر. كذلك القرى والبلدات. إذا فقد الإنسان ذاكرته تحول إلى شخص بأطوار غريبة. فاقد الذاكرة تائه عن خطوات اليقين. فقد الذاكرة خلل عند البشر. لكن ماذا عن فقد المُدن لذاكرتها؟! المُدن التي تحافظ على ذاكرتها أكبر قيمة وجودة وأصالة. تُشد الرّحال إليها؛ للاستمتاع بعوالم مشاهد تلك الذاكرة. تصبح أماكن سياحية بمعنى وطعم وزبائن. عواصم العالم السياحية خير شاهد على ذلك.

رافقت مع زملاء ضيفا (بريطانيا) لزيارة مدينة جدة، وقد تشبعنا بمنولوجات المعالم الحديثة للمدينة، ذهبنا في قصة سرد لمحاولة ابهار الضيف، ذهبنا في هرولة لاستعراض معالم المدينة الحديثة، استنكر اندفاعنا وقال: نحن من قدّم هذه المعالم، أعرفها في بلدي. وضّح أنه يسعى لرؤية مدينة (جدة) التاريخية، بذاكرتها وثقافتها وناسها.

كان يبحث عن الأصالة والجذور. شرح أن جدة مدينة قديمة ومشهورة. بدأنا سويا نبحث عن ذاكرة المدينة، وقفنا على معالم بعضها. قال: هذا ما كنت أريد مشاهدته. في نهاية المطاف علّق قائلا: لدى هذه المدينة ما يجعلها من أكبر المدن السياحية جذبا للسيّاح على مستوى العالم.

لتأصيل تلك النظرة، استعرض لكم جزءا من معالم ذاكرتي ببعض الأماكن. عشت حياتي متنقلا بين أكثر من مكان. من قريتي في منطقة الباحة إلى عوالم كثيرة بعضها لم يخطر على البال. عشت في الأحساء سنين طويلة، كنت ومازلت مرشدا سياحيا لمعارفي وأصدقائي في ربوعها، أنتمي لمدرسة الاجتهاد دون خبرة. تشدني ذاكرة المكان وأهله. هذا هو الاختلاف بين الأماكن جميعها. لكل مكان ذاكرة خاصة، بملامح فاتنة، وبريق قد يغيب عن صاحب المكان.

إذا كانت الذاكرة غير نشطة، فإن الذكريات تموت وتختفي من العقول. كذلك ذاكرة الأماكن، تفقد قيمتها وتزول بفعل عوامل كثيرة. الذاكرة رصيدنا في الحياة. رصيد يموت بموتنا كبشر. لكن رصيد المدن والأماكن يزول بفعل فاعل، يموت بفعل الاهمال والتجاهل، يموت أيضا عندما نعتقد أنه ليس بذي قيمة، ما جعل الكثير من المدن تتوه عن واقع بيئتها وتاريخها وناسها وشخصيتها. حتى القرى ردمنا وطمسنا ذاكرتها.

لن أتحدث عن الأحساء التي عشقت. الأحساء ملحمة دسمة من ذاكرة البلد بأسره. كتبت عن حي (الكوت) بالهفوف، قلت عنه كلاما محزنا كحزني عليه، عشت ذاكرة سوق (القيصرية) قبل احتراقها، عشت ينابيع الأحساء قبل جفافها بكل مكوناتها. أصبحت لي ذاكرة (حساوية) تحمل ما تعجز الكتب عن حمله. عندما أشاهد غزو الحديث على القديم، تصيبني نبال الدهشة، بصنوف من الأوجاع والآلام والحسرة والندم، ليس لأنني ضد الحديث، لكن القديم نال نصيبا وافرا من الظلم والجحود والنكران.

بناء الحديث على أطلال القديم ليس تطورا ولن يكون بذرة للحضارة. إزالة القديم زلّة عظيمة. زلّة محو ذاكرة القيم الاجتماعية التراثية والموروث المهاري والمكاني غلطة لا تُغتفر، لا ندرك أبعاد الغلطة إلا بعد زوال الأشياء من الوجود. ذاكرة الأماكن قيمة مفيدة للحاضر وللأجيال. أخطاء كارثية نرتكبها في حق الأجيال القادمة. الزلّات تتكرر، متى تتوقف في جميع المدن والقرى والمواقع بعرض البلد وطوله؟!

انتقل بكم إلى ذاكرة الدمام البعيدة عن قريتي التي هجرتها من سنين، بقي معي بعض ذكريات لها حنين. في زياراتي لها أعود هاربا من وضعها الحزين، أعود إلى الدمام حيث ذكرياتي الجديدة بعد الهجرة من القرية. ورغم أن مدينة (بقيق) كانت مهبطي الأول بعد مغادرتي للقرية، إلا أني وجدتها بدون ذاكرة.

مدينة بترولية حديثة، مدينة نتاج حبك الرسم الهندسي بكل خطوطه المستقيمة والمتقاطعة، لم أجد لها أي ذاكرة تاريخية. كثبان رملية تم تسويتها وظهرت عليها أبنية اسمنتية. جيء بالنّاس فيها على مراحل. شكّلوا برسمهم الهندسي محور حياة واحدة. ناسها يعملون لدى ارامكو. هذه هي حياة هذه المدينة بإيقاع واحد. خرجت من بقيق ولم يشدني اليها شيء للعودة.

في الدمام الأمر يختلف. رأيت عجين الناس، وطحنهم، وتعدد ثقافاتهم. مزيج من كل شيء. مزيج يبدو متناقضا فوضويا، لكنه حبك توليفة أعطت للمكان نكهته المميزة، منحت المكان جملة الحياة الإبداعية الهادئة المنتظمة بكل مشاهدها. التعددية انتجت التجانس الذي بدوره شكل صورا جميلة متناغمة. كل جزء يعطي مشهدا. بتداخل المشاهد واندماجها تكون المشهد الأكبر، شكل الصورة النهائية بكل جمالياتها وبعدها الفلسفي، امتدت مع أجيال عديدة بنفس طعم وقوالب الحياة. تراكمت وشيدت ذاكرة لهذه المدينة على شط مياه البحر.

لم يشكل البحر شيئا من ذاكرة مدينة الدمام. هل تم تدمير ذاكرته قبل تشكل وعي حياتي؟! كان يجب أن يكون البحر أكبر ذاكرة في تاريخ مدينة الدمام. وتلاشى الأمل بعد رؤيتي ردم البحر بكل كائناته. جاءت الرسوم الهندسية بخطوطها تفتت المزيد. لا حضارة بدون ذاكرة. حضارة الاسمنت ذاكرة لن تدوم. البحر ذاكرة جميلة إذا تفاعلت رمال الشاطئ مع ماء البحر وخيراته.

أخيرا، أنقلكم إلى مكان يعزز سريان الرغبة بيننا، ليشكل أساس ذاكرة حديثة للمدينة. من لم يزر كورنيش الدمام فكأنه لم يزر الدمام. لم يعد هناك شيء أنصح بزيارته في مدينة الدمام. تم طمس ذاكرة الدمام عمدا أو جهلا. لم أجد محطة القطار الأولى في المدينة. كان يمكن أن تكون متحفا لقصة قطار يحكي واقعا كان، كان يمكن أن تكون معلما سياحيا لرواية تأسيس قطار أمة نقلها نحو المستقبل. أزالوا المحطة من الوجود، أصبح مكانها عمارة لا حياة في جدرانها وملامحها. وهناك الكثير.
أصبحت كل المدن مثل بعضها. أماكن تحمل نفس الذاكرة، ونفس المعالم، ونفس الخطوط الهندسية. تكرار بفعل القص واللصق. أصبح الكورنيش في الدمام شيئا مختلفا، الكورنيش الانجاز الوحيد لأمانة الدمام عبر تاريخها وحتى اليوم، يؤصل لذاكرة جديدة، أدعوكم لزيارته قبل أن تحتله المصالح الاسمنتية.

*نقلا عن "اليوم" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.